* ثم بعد ذلك الاستعراض السريع لصفحة الكون المنظور، تُطوى صفحات الوجود، وتتلاشى الخلائق بأسرها، فيلفها شبح الموت الرهيب، ويطويها الفناء، ولا يبقى إلا الحي القيوم متفرداً بالبقاء ﴿كلُّ من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإِكرام﴾.
* وتناولت السورة أهوال القيامة، فتحدثت عن حال الأشقياء المجرمين، وما يلاقونه من الفزع والشدائد في ذلك اليوم العصيب ﴿يُعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام .. ﴾ الآيات.
* وبعد الحديث عن مشهد العذاب للمجرمين، تناولت السورة مشهد النعيم للمتقين في شيء من الإِسهاب والتفصيل، حيث يكونون في الجنان مع الحور والولدان ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان. .﴾ الآيات.
* وختمت السورة بتمجيد الله جل وعلا والثناء عليه، على ما أنعم على عباده من فنون النعم والإِكرام، وهو أنسب ختامٍ لسورة الرحمن ﴿تبارك اسم ربك ذي الجلال والإِكرام﴾ وهكذا يتناسق البدء مع الختام في أروع صور البيان.
آلاء الله الباهرة ونعمه الكثيرة الظاهرة
﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْءَانَ (2) خَلَقَ الإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ ءالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13)﴾.
﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ أي الله الرحمنُ علَّم القرآن، ويسَّره للحفظ والفهم، قال مقاتل: لما نزل قوله تعالى ﴿اسجدوا للرحمن﴾ قال كفار مكة: وما الرحمن؟ فأنكروه وقالوا لا نعرف الرحمن فقال تعالى ﴿الرَّحْمَان﴾ الذي أنكروه هو الذي ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ وقال الخازن: إن الله عز وجل عدَّد نعمه على عباده، فقدَّم أعظمها نعمة، وأعلاها رتبة، وهو القرآن العزيز لأنه أعظم وحي الله إِلى أنبيائه، وأشرفه منزلة عند أوليائه وأصفيائه، وأكثره ذكراً، وأحسنه في أبواب الدين أثراً، وهو سنام الكتب السماوية المنزَّلة على أفضل البرية ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ﴾ أي خلق الإِنسان السميع البصير الناطق، والمرادُ بالإِنسان الجنسُ ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ أي ألهمه النطق الذي يستطيع به أن يُبين عن مقاصده ورغباته، ويتميَّز به عن سائر الحيوان، قال البيضاوي: والمقصودُ تعداد ما أنعم الله به على نوع الإِنسان، حثاً على شكره، وتنبيهاً على تقصيرهم فيه، وإِنما قدَّم تعليم القرآن على خلق الإِنسان، لأنه أصل النعم الدينية فقدَّم الأهم ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ أي الشمس والقمر يجريان بحساب معلوم في بروجهما، ويتنقلان في منازلهما لمصالح العباد، قال ابن كثير: أي يجريان متعاقبين بحساب مقنَّن لا يختلف ولا يضطرب ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ أي والنجمُ والشجر ينقادان للرحمن فيما يريده منهما، هذا بالتنقل بالبروج، وذاك بإِخراج الثمار ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ أي والسماء خلقها عالية محكمة البناء رفيعة القدر والشأن، وأمر بالميزان عند الأخذ والإِعطاء لينال الإِنسان حقه وافياً ﴿أَلا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ أي لئلا تبخسوا في الميزان ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ أي اجعلوا الوزن مستقيماً بالعدل والإِنصاف