شأننا في الخلق والإِيجاد إِلا مرة واحدة كلمح البصر في السرعة نقول للشيء: كن فيكون، قال ابن كثير: أي إِنما نأمر بالشيء مرة واحدة لا نحتاج إِلى تأكيد بثانية، فيكون ذلك موجوداً كلمح البصر لا يتأخر طرفة عين ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشيَاعَكُمْ﴾ أي ووالله لقد أهلكنا أشباهكم ونظراءكم في الكفر والضلال من الأمم السالفة ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي فهل من يتذكر ويتعظ؟ ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ أي وجميع ما فعلته الامم المكذبة من خير وشر مكتوب عليهم، مسجل في كتب الحفظة التي بأيدي الملائكة، قال ابن زيد: ﴿في الزُّبر﴾ أي في دواوين الحفظة ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ أي وكل صغيرٍ وكبير من الأعمال مسطورٌ في اللوح المحفوظ، مثبتٌ فيه ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ أي في جنات وأنهار، قال القرطبي: يعني أنهار الماء، والخمر، والعسل، واللبن ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أي في مكان مرضيٍ، ومقام حسن ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ أي عند ربٍ عظيم جليل، قادرٍ في ملكه وسلطانه، لا يعجزه شيء، وهو الله رب العالمين
===============
55 - سورة الرحمن
آلاء الله الباهرة ونعمه الكثيرة الظاهرة
دلائل قدرته ووحدانيته
فناء المخلوقات وبقاء الله سبحانه وتعالى
محاسبة الخلائق، وإحاطة الله بمخلوقاته
تصدع السماء وأحوال المجرمين يوم القيامة
وصف الجنَّتين
وصف آخر لجنتين أدنى من الأوليين
بَين يَدَي السُّورَة
* سورة الرحمن من السور المكية التي تعالج أصول العقيدة الإِسلامية، وهي كالعروس بين سائر السور الكريمة، ولهذا ورد في الحديث الشريف (لكل شيءٍ عروس، وعروسُ القرآن سورة الرحمن).
* ابتدأت السورة بتعديد ءالاء الله الباهرة، ونعمه الكثيرة الظاهرة على العباد، التي لا يحصيها عدٌّ، وفي مقدمتها نعمة "تعليم القرآن" بوصفه المنَّة الكبرى على الإِنسان، تسبق في الذكر خلق الإِنسان ذاته وتعليمه البيان ﴿الرحمن * علَّم القرآن * خلق الإِنسان * علَّمه البيان﴾.
* ثم فتحت السورة صحائف الوجود، الناطقة بألاء الله الجليلة، وآثاره العظيمة التي لا تحصى، الشمس والقمر، والنجم والشجر، والسماء المرفوعة بلا عمد، وما فيها من عجائب القدرة وغرائب الصنعة، والأرضُ التي بثَّ فيها من أنواع الفواكه، والزروع، والثمار، رزقاً للبشر ﴿الشمسُ والقمر بحسبان * والنجم والشجر يسجدان .. ﴾ الآيات.
* وتحدثت السورة عن دلائل القدرة الباهرة في تسيير الأفلاك، وتسخير السفن الكبيرة تمخر عباب البحار وكأنها الجبال الشاهقة عظمةً وضخامة، وهي تجري فوق سطح الماء ﴿وله الجوار المنشآتُ في البر كالأعلام .. ﴾ الآيات.