لغاية عظم ما فيها من الآيات وكثرتها، وهول ما لاقوه من العذاب، وفرعون رأس الطغيان ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ أي كذَّبوا بالمعجزات التسع التي أعطيها موسى ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ أي فانتقمنا منهم بإِغراقهم في البحر، وأخذناهم بالعذاب أخذ إِلهٍ غالب في انتقامه، قادرٍ على إِهلاكهم لا يعجزه شيء.
تخويف الله كفار مكة، وجزاء المجرمين والمتقين
﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (46) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (51) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)﴾.
سبب النزول:
نزول الآية (45):
﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ .. ﴾: أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: قالوا يوم بدر: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾، فنزلت: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾.
نزول الآية (47):
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ .. ﴾: أخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدَر، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾.
ثم خوَّف تعالى كفار مكة فقال ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ﴾؟ الاستفهام إِنكاري للتقريع والتوبيخ أي أكفاركم يا معشر العرب خيرٌ من أولئكم الكفار الذين أحللت بهم نقمتي مثل قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وقوم فرعون، حتَّى لا أعذبهم؟ قال القرطبي: استفهام إِنكار ومعناه النفي أي ليس كفاركم خيراً من كفار من تقدم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ أي أم لكم يا كفار قريش براءة من العذاب في الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء؟ ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ أي بل أيقولون نحن جمعٌ كثير، واثقون بكثرتنا وقوتنا، منتصرون على محمد؟ قال تعالى رداً عليهم ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أي سيهزم جمع المشركين ويولون الأدبار منهزمين، قال ابن الجوزي: وهذا مما أخبر الله به نبيه من علم الغيب، فكانت الهزيمةُ يوم بدر ﴿بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ أي ليس هذا تمام عقابهم بل القيامة موعد عذابهم ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ أي أعظم داهيةً وأشدُّ مرارةً من القتل والأسر ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ أي إِن المجرمين في حيرةٍ وتخبطٍ في الدنيا، وفي نيرانٍ مسعَّرة في الآخرة، قال ابن عباس: في خسران وجنون ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ أي يوم يُجرُّون في النار على وجوههم عقاباً وإِذلالاً لهم ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ أي يقال لهم: ذوقوا أيها المكذبون عذاب جهنم، قال أبو السعود: وسقر علمٌ لجهنم ولذلك لم يُصرف ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أي إنا خلقنا كل شيءٍ مقدَّراً مكتوباً في اللوح المحفوظ من الأزل ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ أي وما