تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بالمطر، قال المفسرون: كانت عاد قد أبطأ عنهم المطر، وقُحطوا مدةً طويلةً من الزمن، فلما رأوا ذلك السحاب العارض ظنوا أنه مطر ففرحوا به واستبشروا وقالوا: هذا عارضٌ ممطرنا ﴿بل هو ما استعجلتم به﴾ أي قال لهم هود: ليس الأمر كما زعمتم أنه مطر، بل هو ما استعجلتم به من العذاب ثم فسَّره بقوله ﴿ريحٌ فيها عذابٌ أليمٌ﴾ أي هو ريحٌ عاصفة مدمّرة فيها عذابٌ فظيع مؤلم ﴿تُدَمِّرُ كلَّ شيءٍ بأمر ربِّها﴾ أي تُخَرِّب وتُهلك كل شيء أتت عليه من رجالٍ ومواشٍ وأموال، بأمره تعالى وإِذنه، قال ابن عباس: أول ما جاءت الريح على قوم عاد، كانت تأتي على الرجال والمواشي فترفعهم من الأرض وتطير بهم إلى السماء حتي يصبح الواحد منهم كالريشة، ثم تضربهم على الأرض، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم، فقلعت الريح والأبواب وصرعتهم، فهي التي قال الله فيها ﴿تدّمر كل شيء بأمر ربها﴾ أي تدمّر كل شيء مرت عليه من رجال عادٍ وأموالها، والتدميرُ الهلاك، وفي الحديث عن عائشة قالت: كان صلى الله عليه وسلم إِذا رأى غيماً أو ريحاً عُرف في وجهه، فقلت يا رسول الله: الناسُ إِذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إِذا رأيته عُرف في وجهك الكراهية؟ فقال: يا عائشة ما يؤمننيأن يكون فيه عذاب؟ عُذّب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا ﴿هذا عارضٌ ممطرنا﴾ ﴿فأَصبحوا لا يُرى إِلاّ مساكنهم﴾ أي فأصبحوا هلكى لا تُرى إِلا مساكنهم، لأن الريح لم تبق منهم إِلا الآثار والديار الخاوية ﴿كذلك نجزي القوم المجرمين﴾ أي بمثل هذه العقوبة الشديدة نعاقب من كان عاصياً مجرماً، قال الرازي: والمقصود منه تخويف أهل مكة، ولهذا قال بعده ﴿ولقد مكنَّاهم فيما إِنْ مكَّناكُم فيه﴾ "إِنْ"نافية بمعنى "ما" أي ولقد مكَّنا عاداً في الذي لم نمكنكم فيه يا أهل مكة من القوة، والسَّعة، وطول الأعمار، وهو خطاب لكفار مكة على وجه التهديد ﴿وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة﴾ أي وأعطيناهم الأسماع والأبصار والقلوب، ليعرفوا تلك النعم ويستدلوا بها على الخالق المنعم ﴿فما أَغْنى عنهم سمْعُهم ولا أبصارهُم ولا أفئدتُهم منْ شيءٍ﴾ أي فما نفعتهم تلك الحواس أي نفع، ولا دفعت عنهم شيئاً من عذاب الله، قال الإِمام الفخر: المعنى أنّا فتحنا عليهم أبواب النعم: أعطيناهم سمعاً فما استعملوه في سماع الدلائل، وأعطيناهم أبصاراً فما استعملوها في تأمل العبَر، وأعطيناهم أفئدة فما استعملوها في طلب معرفة الله، بل صرفوا كل هذه القوى إلى طلب الدنيا ولذاتها، فلا جرم أنها لم تغن عنهم من عذاب الله شيئاً ﴿إذْ كانوا يجحدون بآياتِ اللهِ﴾ تعليلٌ لما سبق أي لأنهم كانوا يكفرون وينكرون ءايات الله المنزَّلة على رسله ويكذبون رسله ﴿وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون﴾ أي ونزل وأحاط بهم العذاب الذي كانوا يستعجلون به بطريق الاستهزاء ﴿ولقد أهلكنا ما حولكم من القُرى﴾ تخويفٌ آخر لكفار مكة أي ولقد أهلكنا القرى المجاورة لكم يا أهل مكة والمحيطة بكم، كقرى عاد وثمود وسبأ وقوم لوط، والمراد بإِهلاك القرى إِهلاكُ أهلها ﴿وصرَّفنا الآياتِ لعلهم يرجعون﴾ أي

وكررنا الحجج والدلالات، والمواعظ والبينات، أوضحناها وبيَّناها لهم لعلهم يرجعون عن كفرهم وضلالهم ﴿فلوْلا نصَرَهُم الذين أتَّخذوا من دُونِ اللهِ قُرْباناً آلِهَةً﴾ أي فهلاَّ نصرتهم آلهتهم التي تقربوا بها إلى الله بزعمهم، وجعلوها شفعاءهم لتدفع عنهم العذاب؟ و "لولا" تحضيضية بمعنى هلاَّ ومعناها النفي أي لم تنصرهم آلهتهم

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦٠٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٦٠٨٩