ولم تدفع عنهم عذاب الله ﴿بل ضلُّوا عنهم﴾ أي غابوا عن نصرتهم وهم أحوج ما يكونون إليهم، فإِن الصديق وقت الضيق، قال أبو السعود: وفي الآية تهكمٌ بهم كأنَّ عدم نصرهم كان لغيبتهم ﴿وذلك إِفْكهُم وما كانوا يفترون﴾ أي وذلك الذي أصابهم هو كذبهم وافتراؤهم على الله، حيث زعموا أن الأصنام شركاء لله وشفعاء لهم عند الله.
إيمان الجن بالقرآن
﴿وإِذْ صرفْنا إِليكَ نفراً من الجنِّ يستمعون القرآن فلمَّا حضرُوه قالوا أَنْصِتوا فلمَّا قُضيَ ولَّوا إِلى قومهم مُنْذرين (29) قالُوا يا قومنا إِنا سمعنا كتاباً أُنزل من بعد موسى مصدِّقاً لما بين يديه يهدي إلى الحقِّ وإلى طريقٍ مستقيم (30) يا قومنا أجيبوا داعيَ اللهِ وآمنوا به يغفرْ لكم مِّن ذنوبكم ويُجركم من عذابٍ أليمٍ (31) ومنْ لا يُجِب داعيَ اللهِ فليس بمعجزٍ في الأرض وليسَ له من دونه أولياء أُولئك في ضلالٍ مبين (32)﴾.
سبب نزول الآية (29):
﴿وإذ صرفنا﴾: أخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: إن الجن هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يقرأ القرآن ببطن نَخْلة، فلما سمعوه، قالوا: أنصتوا، وكانوا تسعة، أحدهم زَوْبَعة، فأنزل الله تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن، فلما حضروه قالوا: أنصتوا﴾ الآية، إلى قوله: ﴿في ضلال مبين﴾.
﴿وإِذْ صرفْنا إِليكَ نفراً من الجنِّ يستمعون القرآن﴾ أي واذكر يا محمد حين وجهنا إِليك وبعثنا جماعةً من الجن ليستمعوا القرآن، قال البيضاوي: والنفر دون العشرة، روي أنهم وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي النخلة عند منصرفه من الطائف يقرآ في تهجده القرآن ﴿فلمَّا حضرُوه قالوا أَنْصِتوا﴾ أي فلما حضروا القرآن عند تلاوته قال بعضهم لبعضٍ: اسكتوا لاستماع القرآن، قال القرطبي: هذا توبيخٌ لمشركي قريش، أي إِن الجنَّ سمعوا القرآن فآمنوا به وعلموا أنه من عند الله، وأنتم معرضون مصرّون على الكفر ﴿فلمَّا قُضيَ ولَّوا إِلى قومهم مُنْذرين﴾ أي فلما فُرغَ من قراءة القرآن رجعوا إِلى قومهم مخوفين لهم من عذاب الله إِن لم يؤمنوا، قال الرازي: وذلك لا يكون إِلا بعد إِيمانهم، لأنهم لا يدعون غيرهم إلى استماع القرآن والتصديق به إلاّ وقد ءامنوا ﴿قالُوا يا قومنا إِنا سمعنا كتاباً أُنزل من بعد موسى﴾ أي سمعنا كتاباً رائعاً مجيداً منزَّلاً على رسولٍ من بعد موسى، قال ابن عباس: إِن الجنَّ لم تكن قد سمعت بأمر عيسى عليه السلام ﴿مصدِّقاً لما بين يديه﴾ أي مصدّقاً لما قبله من التوراة ﴿يهدي إلى الحقِّ وإلى طريقٍ مستقيم﴾ أي هذا القرآن يرشد إِلى الحقِّ المبين، وإِلى دين الله القويم ﴿يا قومنا أجيبوا داعيَ اللهِ وآمنوا به﴾ أي أجيبوا محمداً صلى الله عليه وسلم فيما يدعوكم إليه من الإِيمان وصدِّقوا برسالته ﴿يغفرْ لكم من ذنوبكم﴾ أي يمحُ الله عنكم الذنوب والآثام ﴿ويُجركم من عذابٍ أليمٍ﴾ أي ويخلِصْكم وينجكم من عذاب شديد مؤلمٍ ﴿ومنْ لا يُجِب داعيَ اللهِ فليس بمعجزٍ في الأرض﴾ هذا ترهيبٌ بعد الترغيب أي ومن لم يؤمن بالله ويستجب لدعوة رسوله، فإِنه لا يفوت الله طلباً، ولا يعجزه هرباً ﴿وليسَ له من دونه أولياء﴾ أي وليس له أنصار يمنعونه من عذاب الله ﴿أُولئك في ضلالٍ مبين﴾ أي أولئك الذي لا يستجيبون لدعوة الله في خسرانٍ واضح، وإِلى هنا آخر كلام الجن الذين سمعوا القرآن.
الأدلة على قدرته ووحدانيته