قبلي}؟ أي أتعدانني أن أُبعث بعد الموت وقد مضت قرونٌ من الناس قبلي ولم يُبعث منهم أحد؟ ﴿وهما يستغيثان اللهِ ويْلك آمن﴾ أي وأبواه يسألان الله أن يغيثه ويهديه للإِسلام قائلين له: ويْلك آمنْ بالله وصدِّق بالبعث والنشور وإِلاّ هلكت ﴿إنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ﴾ أي وعدُ الله صدقٌ لا خُلف فيه ﴿فيقولُ ما هذا إِلا أساطيرُ الأولين﴾ أي فيقول ذلك الشقي: ما هذا الذي تقولان من أمر البعث إلاّ خرافات وأباطيل سطَّرها الأولون في الكتب مما لا أصل له قال تعالى ﴿أُولئك الذين حقَّ عليهم القول﴾ أي أولئك المجرمون هم الذين حقَّ عليهم قول الله بأنهم أهل النار، قال القرطبي: أي وجب عليهم العذاب وهي كلمة الله كما في الحديث (هؤلاء في النار ولا أبالي) ﴿في أُممٍ قد خلَتْ من قبلهم من الجنِّ والإِنس﴾ أي في جملة أمم من أصحاب النار قد مضت قبلهم من الكفرة الفجار من الجن والإِنس ﴿إنهم كانوا خاسرين﴾ أي كانوا كافرين لذلك ضاع سعيهم وخسروا آخرتهم، وهو تعليل لدخولهم جهنم، قال الإِمام فخر الدين الرازي: قال بعضهم: إِن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصّديق قبل إِسلامه، والصحيحُ أنه لا يراد بالآية شخص معيَّن، بل المراد منها كل من كان موصوفاً بهذه الصفة، وهو كل من دعاه أبواه إِلى الدين الحقِّ فأباه وأنكره، ويدل عليه أن الله تعالى وصف هذا الذي قال لوالديه ﴿أفٍ لكما﴾ بأنه من الذين حقَّ عليهم القول بالعذاب، ولا شك أن عبد الرحمن آمن وحسن إِسلامه وكان من سادات المسلمين فبطل حمل الآية عليه ﴿ولكلٍ درجاتٌ ممَّا عملوا﴾ أي لكلٍ من المؤمنين والكافرين مراتب ومنازل بحسب أعمالهم، فمراتب المؤمنين في الجنة عالية، ومراتب الكافرين في جهنم سافلة ﴿وليوفيهم أعمالهم وهم لا يُظلمون﴾ أي وليعطيهم جزاء أعمالهم وافية كاملة، المؤمنون بحسب الدرجات، والكافرون بحسب الدركات، من غير نقصان بالثواب، ولا زيادة في العقاب.
﴿ويومَ يُعرضُ الذين كفروا على النَّارِ﴾ أي وذكّرهم يا محمد يوم يُكشف الغطاء عن نار جهنم، وتبرز للكافرين فيقرَّبون منها وينظرون إِليها ﴿أذْهبتُم طيباتِكُم في حياتكم الدنيا﴾ في الكلام حذف أي ويقال لهم تقريعاً وتوبيخاً أذهبتم طيباتكم أي لقد نلتم وأصبتم لذائذ الدنيا وشهواتها فلم يبق لكم نصيب اليوم في الآخرة، قال أبو حيّان: والطيبات هنا المستلذات من المآكل والمشارب، والملابس والمفارش، والمراكب والمواطئ، وغير ذلك مما يتنعَّم به أهل الرفاهية ﴿واستمتعتم بها﴾ أي وتمتعتم بتلك اللذائذ والطيبات في الدنيا، قال المفسرون: المراد بالآية إِنكم لم تؤمنوا حتى تنالوا نعيم الآخرة، بل اشتغلتم بشهوات الدنيا ولذائذها عن الإِيمان والطاعة، وأفنيتم شبابكم في الكفر والمعاصي، وآثرتم الفاني على الباقي، فلم يبق لكم بعد ذلك شيء من النعيم، ولهذا قال بعده ﴿فاليوم تُجزون عذَاب الهُون﴾ أي ففي هذا اليوم - يوم الجزاء - تنالون عذاب الذُلِّ والهَوان ﴿بِما كنتُم تسْتكبرون في الأرضِ بِغير الحقِّ﴾ أي بسبب استكباركم في الدنيا عن الإِيمان وعن الطاعة ﴿وبما كنتم تفْسُقون﴾ أي وبسبب فسقكم وخروجكم عن طاعة الله، وارتكاب الفجور والآثام، قال الإِمام الفخر الرازي: وهذه الآية لا تدل على المنع من التنعم، لأن هذه الآية وردت في حق الكافر، وإِنما وبَّخ الله الكافر لأنه يتمتع بالدنيا ولا يؤدي شكر المنعم بطاعته والإِيمان به، وأما المؤمن فإِنه يؤدي بإِيمانه شكر المنعم فلا يوبخ بتمتعه ودليله {قُل منْ حرَّم زينةَ الله التي أخرج