أوزعني أن أشكرَ نعمتك التي أنعمتَ عليَّ وعلى والديَّ} أي قال ربِّ ألهمني شكر نعمتك التي أنعمت بها عليَّ وعلى والديَّ حتى ربياني صغيراً ﴿وأَنْ أعملَ صالحاً ترضاه﴾ أي ووفقني لكي أعمل عملاً صالحاً يرضيك عني ﴿وأصلحْ لي في ذريتي﴾ أي اجعل ذريتي ونسلي صالحين، قال شيخ زاده: طلب هذا الداعي من الله ثلاثة أشياء: الأول: أن يوفقه الله للشكر على النعمة، والثاني: أن يوفقه للإِتيان بالطاعة المرضية عند الله، والثالث: أن يصلح له في ذريته، وهذه كمال السعادة البشرية ﴿إني تُبتُ إليكَ وإِني من المسلمين﴾ أي إِني يا رب تبت إليك من جميع الذنوب، وإِني من المستمسكين بالإِسلام، قال ابن كثير: وفي الآية إِرشادٌ لمن بلغ الأربعين أن يجدِّد التوبة والإِنابة إلى الله عز وجل ويعزم عليها ﴿أُولئك الذين نتقبلُ عنهم أحسنَ ما عملوا﴾ أي أولئك الموصوفون بما ذكر نتقبل منهم طاعاتهم ونجازيهم على أعمالهم بأفضلها ﴿ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة﴾ أي ونصفح عن خطيئاتهم وزلاتهم، في جملة أصحاب الجنة الذين نكرمهم بالعفو والغفران ﴿وعدَ الصِّدقِ الذي كانوا يُوعدون﴾ أي بذلك الوعد الصادق الذي وعدناهم به على ألسنة الرسل، بأن نتقبل من محسنهم ونتجاوز عن مسيئهم.
حال الإنسان العاق لوالديه
﴿والذي قال لوالديه أُفٍ لكما أتعِدانني أن أُخرج وقد خلتِ القرونُ من قبلي وهما يستغيثان اللهِ ويْلك ءامن إنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ فيقولُ ما هذا إِلا أساطيرُ الأولين (17) أُولئك الذين حقَّ عليهم القول في أُممٍ قد خلَتْ من قبلهم من الجنِّ والإِنس إنهم كانوا خاسرين (18) ولكلٍ درجاتٌ ممَّا عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يُظلمون (19) ويومَ يُعرضُ الذين كفروا على النَّارِ أذْهبتُم طيباتِكُم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تُجزون عذَاب الهُون بِما كنتُم تسْتكبرون في الأرضِ بِغير الحقِّ وبما كنتم تفْسُقون (20)﴾.
سبب النزول:
نزول الآية (17):
﴿والذي قال لوالديه﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن السّدّي قال: نزلت هذه الآية: ﴿والذي قال لوالديه: أُفٍّ لكما﴾ في عبد الرحمن بن أبي بكر قال لأبويه، وكانا قد أسلما، وأبى هو، فكانا يأمرانه بالإسلام، فيرد عليهما، ويكذبهما ويقول: فأين فلان وأين فلان؟ يعني مشايخ قريش ممن قد مات، ثم أسلم بعد، فحسن إسلامه، فنزلت توبته في هذه الآية: ﴿ولكلٍّ درجات مما عملوا﴾ الآية.
أخرج البخاري من طريق يوسف بن ماهان قال: قال مروان بن الْحَكَم في عبد الرحمن بن أبي بكر: إن هذا الذي أنزل الله فيه: ﴿والذي قال لأبويه: أُفٍّ لكما﴾ فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن، إلا أن الله أنزل عذري.
وقال الحافظ ابن حجر: ونفي عائشة أقوى، وأولى بالقبول.
ولما مثَّل تعالى لحال الإِنسان البار بوالديه وما آل إِليه حاله من الخير والسعادة، مثَّل لحال الإِنسان العاقِّ لوالديه، وما يؤول إِليه أمره من الشقاوة والتعاسة فقال ﴿والذي قال لوالديه أُفٍ لكما﴾ أي وأمَّا الولد الفاجر الذي يقول لوالديه إِذا دعواه إِلى الإِيمان أفٍ لكما أي قبحاً لكما على هذه الدعوة {أتعِدانني أن أُخرج وقد خلتِ القرونُ من