﴿ووصيَّنا الإِنسان بِوالديه إِحْساناً حملتْهُ أُمُّهُ كُرهاً ووضعته كُرهاً وحمله وفِصالُه ثلاثون شهراً حتَّى إِذا بلغَ أشده وبلغ أربعين سنة قال ربِّ أوزعني أن أشكرَ نعمتك الَّتي أنعمتَ عليَّ وعلى والديَّ وأَنْ أعملَ صالحاً ترضاه وأصلحْ لي في ذرِّيَّتي إني تُبتُ إليكَ وإِني من المسلمين (15) أُولئك الذين نتقبلُ عنهم أحسنَ ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعدَ الصِّدقِ الذي كانوا يُوعدون (16)﴾.
سبب النزول:
نزول الآية (15):
﴿حتى إذا بلغ أشده﴾: روى الواحدي عن ابن عباس قال: أنزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وذلك أنه صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ابن ثمان عشرة سنة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة، وهم يريدون الشام في التجارة، فنزلوا منزلاً فيه سِدْرة (شجرة السدر) فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب هناك يسأله عن الدين، فقال له: من الرجل الذي في ظل السدرة؟ فقال: ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال: هذا والله نبيّ، وما استظل تحتها أحد بعد عيسى بن مريم إلا محمد نبي الله، فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق، وكان لا يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسفاره وحضوره، فلما نبّئ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ابن أربعين سنة، وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين سنة أسلم وصدّق رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فلما بلغ أربعين سنة قال: ﴿رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ﴾.
وقال السدّي والضحاك: نزلت في سعد بن أبي وقاص، أخرج مسلم وأهل السنن إلا ابن ماجه عن سعد رضي الله عنه قال: قالت أم سعد لسعد: أليس الله قد أمر بطاعة الوالدين، فلا آكل طعاماً، ولا أشرب شراباً، حتى تكفر بالله تعالى، فامتنعت من الطعام والشراب، حتى جعلوا يفتحون فاها بالعصا، ونزلت هذه الآية: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً﴾.
وقال الحسن البصري: "هي مرسلة نزلت على العموم". وهذا هو الأَولى، لأن حمل اللفظ على العموم منذ بداية نزول الوحي أوقع وأفيد وأشمل، وإن كانت العبرة دائماً لعموم اللفظ لا لخصوص السبب.
﴿ووصيَّنا الإِنسان بِوالديه إِحْساناً﴾ لمَّا كان رضا الله في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما حثَّ تعالى العباد عليه والمعنى أمرنا الإِنسان أمراً جازماً مؤكداً بالإِحسان إلى الوالدين، ثم بيَّن السبب فقال ﴿حملتْهُ أُمُّهُ كُرهاً ووضعته كُرهاً﴾ أي حملته بكرهٍ ومشقة ووضعته بكرهٍ ومشقة ﴿وحمله وفِصالُه ثلاثون شهراً﴾ أي ومدة حمله ورضاعه عامان ونصف، فهي لا تزال تعاني التعب والمشقة طيلة هذه المدة، قال ابن كثير: أي قاست بسببه في حال حمله مشقة وتعباً من وحَم، وغثيان، وثقل، وكرب إلى غير ذلك مما تنال الحوامل من التعب والمشقة، ووضعته بمشقة أيضاً من الطَّلق وشدته، وقد استدل العلماء بهذه الآية مع التي في لقمان ﴿وفصاله في عامين﴾ على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قويٌ صحيح ﴿حتَّى إِذا بلغَ أشده﴾ أي حتى إِذا عاش هذا الطفل وبلغ كمال قوته وعقله ﴿وبلغ أربعين سنة﴾ أي واستمر في الشباب والقوة حتى بلغ أربعين سنة وهو نهاية اكتمال العقل والرشد {قال ربِّ