تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿وقال الذين كفروا﴾: أخرج الطبراني عن قتادة قال: قال ناس من المشركين: نحن أعزّ، ونحن ونحن، فلو كان خيراً ما سبقنا إليه فلان وفلان، فنزل ﴿وقال الذين كفروا .. ﴾.

وأخرج ابن المنذر عن عون بن أبي شداد قال: كانت لعمر بن الخطاب أَمَةٌ أسلمتْ قبلَه يقال لها (زِنِّين) أو (زِنِّيرة) فكان عمر يضربها على إسلامها حتى يفتر، وكان كفار قريش يقولون: لو كان خيراً ما سبقتنا إليه زنين، فأنزل الله في شأنها: ﴿وقال الذين كفروا للذين ءامنوا: لو كان خيراً﴾ الآية.

وقال عروة بن الزبير: إن زِنِّيرة - رومية كان أبو جهل يعذبها - أسلمت، فأصيب بصرها، فقالوا لها: أصابك اللاتُ والعُزَّى، فرد الله عليها بصرها، فقال عظماء قريش: لو كان ما جاء به محمد خيراً ما سبقتنا عليه زِنّيرة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

ثم ردَّ تعالى على شبهةٍ أُخرى من شبهة المشركين فقال ﴿وقال الذين كفروا للذين ءامنوا لو كان خيراً ما سبقونا إِليه﴾ أي وقال كفار مكة في حق المؤمنين: لو كان هذا القرآن والدين خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء الفقراء الضعفاء!! وقال ابن كثير: يعنون "بلالاً" و "عماراً" و "صهيباً" و "خباباً" وأشباههم من المستضعَفين والعبيد والإِماء ممن أسلم وآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ﴿وإِذْ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إِفك قديم﴾ أي ولمّا لم يهتدوا بالقرآن مع وضوح إِعجازه، قالوا هذا كذبٌ قديم مأثور عن الأقدمين، أتى به محمد ونسبه إلى الله تعالى ﴿ومنْ قبله كتابُ موسى إِماماً ورحمةً﴾ أي ومن قبل القرآن التوراة التي أنزلها الله على موسى قدوةً يؤتم بها في دين الله وشرائعه كما يؤتم بالإِمام، ورحمة لمن ءامن بها وعمل بما فيها، قال الإِمام الفخر: ووجه تعلق الآية بما قبلها أن المشركين طعنوا في صحة القرآن، وقالوا لو كان خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء الضعفاء الصعاليك، فردَّ الله عليهم بأنكم لا تنازعون أن الله أنزل التوراة على موسى، وجعل هذا الكتاب - التوراة - إِماماً يقتدى به، ثم إِن التوراة مشتملة على البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم فإِذا سلمتم كونها من عند الله، فاقبلوا حكمها بأن محمد صلى الله عليه وسلم رسولٌ حقاً من عند الله ﴿وهذا كتابٌ مصدِّقٌ لساناً عربياً﴾ أي وهذا القرآن كتاب عظيم الشأن، مصدِّقٌ للكتب قبله بلسانٍ عربي فصيح، فكيف ينكرونه وهو أفصح بياناً، وأظهر برهاناً، وأبلغ إِعجازاً من التوراة؟ ﴿ليُنذِر الذين ظلموا وبُشرى للمُحسنين﴾ أي ليخوِّف كفار مكة الظالمين من عذاب الجحيم، ويبشر المؤمنين المحسنين بجنات النعيم .. ولما بيَّن تعالى أحوال المشركين المكذبين بالقرآن، أردفه بذكر أحوال المؤمنين المستقيمين على شريعة الله فقال ﴿إن الذين قالوا ربُّنا الله ثم استقاموا﴾ أي جمعوا بين الإِيمان والتوحيد والاستقامة على شريعة الله ﴿فلا خوفٌ عليهم﴾ أي فلا يلحقهم مكروهٌ في الآخرة يخافون منه ﴿ولا هم يحزنون﴾ أي ولا هم يحزنون على ما خلَّفوا في الدنيا ﴿أُولئك أصحاب الجنة خالدين فيها﴾ أي أولئك المؤمنون المستقيمون في دينهم، هم أهل الجنة ماكثين فيها أبداً ﴿جزاءً بما كانوا يعملون﴾ أي نالوا ذلك النعيم جزاءً لهم على أعمالهم الصالحة.

وصية الله لعباده بر الوالدين

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦٠٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٦٠٨٤