يخافون بأسِ الله وعقابه لأنهم لا يؤمنون بالآخرة ولا بلقاء الله، قال ابن كثير: أُمر المسلمون أن يصبروا على أذى المشركين وأهل الكتاب، ليكون ذلك تأليفاً لهم، ثم لما أصرُّوا على العناد، شرع الله للمؤمنين والجهاد ﴿ليجزيّ قوماً بما كانوا يكسبون﴾ وعيدٌ وتهديد أي ليجازي الكفرة المجرمين بما اقترفوه من الإِثم والإِجرام، والتنكيرُ للتحقير ﴿من عمل صالحاً فلنفسه ومنْ أساءَ فعليها﴾ أي من فعل خيراً في الدنيا فنفعُه لنفسه، ومن ارتكب سوءاً وشراً فضرره عائد عليها، ولا يكاد يسري عملٌ إلى غير عامله ﴿ثُمَّ إلى ربكم تُرجعون﴾ أي ثم مرجعكم يوم القيامة إلى الله وحده، فيجازي كلاً بعمله، المحسنَ بإِحسانه، والمسيءَ بإِساءته.
نعمه الخاصة ببني إسرائيل، وإنزال الشرائع
﴿ولقد آتينا بني إِسرائيل الكتابَ والحُكمَ والنبوَّة ورزقناهم من الطيِّباتِ وفضَّلناهم على العالمين (16) وآتيناهم بيِّناتٍ من الأَمر فما اختلفُوا إلاَّ منْ بعدِ ما جاءهم العلمُ بغْياً بينهم إِنَّ ربَّك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (17) ثم جعلناك على شريعةٍ من الأمر فاتَّبِعها ولا تتَّبعْ أَهواء الذين لا يعلمون (18) إِنهم لن يُغْنوا عنك من الله شيئاً وإِنَّ الظالمين بعضهم أولياءُ بعضٍ واللهُ وليُّ المتَّقين (19) هذا بصائر للناسِ وهدىً ورحمة لقومٍ يوقنون (20)﴾.
ولما ذكَّر بالنعم العامة أردفه بذكر النعم الخاصة على بني إِسرائيل فقال ﴿ولقد آتينا بني إِسرائيل الكتابَ والحُكمَ والنُبوَّة﴾ أي والله لقد أعطينا بني إِسرائيل التوراة، وفصل الحكومات بين الناس، وجعلنا فيهم الأنبياء والمرسلين ﴿ورزقناهم من الطيبات﴾ أي ورزقناهم من أنواع النعم الكثيرة من المآكل والمشارب، والأقوات والثمار ﴿وفضَّلناهم على العالمين﴾ أي وفضلناهم على سائر الأمم في زمانهم، قال الصاوي: والمقصود من ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم كأنه قال: لا تحزن يا محمد على كفر قومك، فإِننا آتينا بني إسرائيل الكتاب والنعم العظيمة، فلم يشكروا بل أصرُّوا على الكفر، فكذلك قومك ﴿وآتيناهم بيِّناتٍ من الأَمر﴾ أي وبينا لهم في التوراة أمر الشريعة وأمر محمد صلى الله عليه وسلم على أكمل وجه، قال ابن عباس: يعني أمر النبي صلى الله عليه وسلم وشواهد نبوته بأنه يُهاجر من تهامة إلى يثرب وينصره أهلها ﴿فما اختلفُوا إلاَّ منْ بعدِ ما جاءهم العلمُ﴾ أي فما اختلفوا في ذلك الأمر، إلا من بعد ما جاءتهم الحجج والبراهين والأدلة القاطعة على صدقه ﴿بغْياً بينهم﴾ أي حسداً وعناداً وطلباً للرياسة، قال الإِمام الفخر: والمقصودُ من الآية التعجبُ من هذه الحالة، لأن حصول العلم يوجب ارتفاع الخلاف، وههنا صار العلم سبباً لحصول الاختلاف، لأنه لم يكن مقصودهم نفس العلم وإِنما المقصود منه طلب الرياسة والتقدم، فلذلك علموا وعاندوا ﴿إِنَّ ربَّك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾ أي هو جل وعلا الذي يفصل بين العباد يوم القيامة فيما اختلفوا فيه من أمر الدين، وفي الآية زجرٌ للمشركين أن يسلكوا مسلك من سبقهم من الأمم العاتية الطاغية ﴿ثم جعلناك على شريعةٍ من الأمر فاتَّبِعها﴾ أي ثم جعلناك يا محمد على طريقةٍ واضحة، ومنهاجٍ سديد رشيد من أمر الدين، فاتبع ما أوحى إليك ربك من الدين القيّم ﴿ولا تتَّبعْ أهواء الذين لا يعلمون﴾ أي لا تتَّبع ضلالات المشركين، قال البيضاوي: لا تتبع آراء الجهال التابعة للشهوات، وهم رؤساء قريش حيث قالوا: