من أشدِّ أنواع العذاب مؤلمٌ موجعٌ، قال الزمخشري: والرجزُ أشدُّ العذاب، والمراد بـ ﴿آياتِ ربهم﴾ القرآن.
التذكير بنعم الله على عباده
﴿اللهُ الذي سخَّر لكم البحر لتجري الفُلك فيه بأمره ولِتبْتغُوا من فضْلهِ ولعلكم تشكرون (12) وسخَّر لكُمْ ما في السَّماواتِ وما في الأرضِ جميعاً مِنه إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لِقومٍ يتفكَّرون (13) قلْ لِّلَّذين آمنوا يغْفروا لِلَّذين لا يرجون أيامَ الله ليجزيَ قوماً بما كانوا يكسبون (14) من عمل صالحاً فلنفسه ومنْ أَساءَ فعليها ثُمَّ إلى ربكم تُرجعون (15)﴾.
سبب النزول:
نزول الآية (14):
﴿قل للذين آمنوا يغفروا﴾: ذكر الواحدي النيسابوري والقشيري عن ابن عباس: أن الآية نزلت في عمر بن الخطاب وعبد الله بن أُبيّ وجماعتهما، وذلك أنهم نزلوا في غزاة بني المُصْطَلِق على بئر يقال لها: المُرَيْسيع، فأرسل عبد الله غلامه ليستقي الماء، فأبطأ عليه، فلما أتاه قال: ما حبسك؟ قال: غلام عمر قعد على قفّ - فم - البئر، فما ترك أحداً يستقي حتى ملأ قُرَب النبي وقرب أبي بكر وملأ لمولاه، فقال عبد الله: ما مَثَلُنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سَمِّنْ كلبك يأكلك، فبلغ عمر رضي الله عنه، فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿قل للذين آمنوا يغفروا .. ﴾.
ثم لمَّا توعَّدهم بأنواع العذاب ذكَّرهم تعالى بنعمهالجليلة ليشكروه ويوحّدوه فقال ﴿اللهُ الذي سخَّر لكم البحر﴾ أي الله تعالى بقدرته وحكمته هو الذي ذلَّل لكم البحر على ضخامته وعِظمه ﴿لتجري الفُلك فيه بأمره﴾ أي لتسير السفنُ على سطحه بمشيئته وإِرادته، دون أن تغوص في أعماقه، قال الإِمام الفخر: خلَق وجه الماء على الملاسة التي تجري عليها السفن، وخلق الخشبة على وجهٍ تبقى طافيةً على وجه الماء دون أن تغوص فيه، وذلك لا يقدر عليه أحد إلا الله ﴿ولِتبْتغُوا من فضْلهِ﴾ أي ولتطلبوا من فضل الله بسبب التجارة، والغوص على اللؤلؤ والمرجان، وصيد الأسماك وغيرها ﴿ولعلكم تشكرون﴾ أي ولأجل أن تشكروا ربكم على ما أنعم به عليكم وتفضَّل، قال القرطبي: ذكر تعالى كمال قدرته، وتمام نعمته على عباده، وبيَّن أنه خلقَ ما خلق لمنافعهم، وكلُّ ذلك من فعله وخلقه، وإِحسانٌ منه وإِنعام ﴿وسخَّر لكُمْ ما في السَّماواتِ وما في الأرضِ جميعاً مِنه﴾ أي وخلق لكم كل ما في هذا الكون، من كواكب، وجبال، وبحار، وأنهار، ونباتٍ وأشجار، الجميع من فضله وإِحسانه وامتنانه، من عنده وحده جلّ وعلا ﴿إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لِقومٍ يتفكَّرون﴾ أي إِنَّ فيما ذُكر لعِبراً وعظات لقوم يتأملون في بدائع صنع الله فيستدلون على قدرته ووحدانيته ويؤمنون، ثم لما بيَّن تعالى دلائل التوحيد والقدرة والحكمة، أردفه بتعليم فضائل الأخلاق، ومحاسن الأفعال فقال ﴿قلْ للذين آمنوا يغْفروا للَّذين لا يرْجونَ أيَّام الله﴾ أي قل يا محمد للمؤمنين يصفحوا عن الكفار، ويتجاوزوا عمَّا يصدر عنهم من الأذى والأفعال الموحشة، قال مقاتل: شتم رجلٌ من الكفار عمر بمكة فهمَّ أن يبطش به، فأمر الله بالعفو والتجاوز وأنزل هذه الآية، والمرادُ من قوله ﴿لا يرجون أيامَ الله﴾ أي لا