أعطتهم الإنسانية الشهرة والمجد والتخليد، وما داموا قد نالوا جزاءهم في الدنيا فلي لهم أن ينتظروا أجرة في الآخرة لأنهم لا يؤمنون بها. ولذا قال فيهم الحق تعالى: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب﴾ [النور: 39].
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي إِن المؤمنين الذين فارقوا الأهل والأوطان وجاهدوا الأعداء لإِعلاء دين الله ﴿أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَت اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي الذين يطمعون أن تصيبهم رحمة الله، فإن قال قائل: أو يقدمون كل تلك الأعمال الجليلة ثم لا يتيقنون من رحمة الله؟ والجواب: أن ليس للعبد عند الله شيء متيقن لأنه لا يدري ما قدمت يداه، أأعماله كاملة أم ناقصة؟ أتاب من جميع ذنوبه أم غفل عن بعضها؟ أتوبته نصوحاً أم لا؟ أأعماله مقبولة أم مردودة؟ فهذا سيد الخلق عليه الصلاة والسلام يقول: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع وعمل لا يرفع ودعاء لا يسمع" [رواه أحمد والحاكم وابن حبان].
إن الإنسان لو عبد الله واشتغل بالطاعة طوال حياته لن يستطيع أن يرد مقابل جزء يسير من النعم التي أكرمه الله بها سابقاً كنعمة الإيجاد والحياه والسمع والبصر وغير ذلك فضلاً عن أن يرد مقابل النعم التي تأتيه لاحقاً لحظة لحظة إلى أن يفارق الحياة، فما أتاه سابقاً فهو فضل زائد عن أعماله وأتاه لاحقاً فهو كذلك، فأنى للعاقل أن يتيقن من رحمة الله تعالى؟ فهذا سيد الخلق عليه الصلاة والسلام يقول: "لن يدخل أحدكم الجنة بعمله. فقالوا: ولا أنت يا رسول الله. قال: ولا أنا حتى يتغمدني الله برحمته" [رواه الشيخان وغيرهما].
فعلى العبد العاقل أن يتعلق بالخوف والرجاء ليكون قريباً من رحمة الله تعالى فاللهم عاملنا بفضلك لا بعدلك وبإحسانك لا بميزانك وبجبرك لا بحسابك. ﴿والله غفور رحيم﴾ أي: عظيم المغفرة واسع الرحمة وهي تأكيد لما سبق من أن الإنسان مهما قدم من طاعات فهو مقصر ولا يجبر تقصيره إلا رحمة الله وغفرانه.
ما يستخلص من الآيات [216 - 218]:
1 - دل قوله تعالى: {كُتب عليكم القتال وهو كره لكم {على أن الإسلام دين يحترم الفطرة الإنسانية ولا يطلب من اتباعه أن يعشوا مثالية أفلاطون، ولذا أقر ما يدور في أنفسهم وإن لم تنطق به ألسنتهم، فبيّن لهم أن الجهاد أمر تكرهه النفوس لما فيه من المشقة عليها، كإخراج المال ومفارقة الوطن والأهل، والتعرض بالجسد إلى الجراح أو الإتلاف وما إلى ذلك ولكن مصالحه أكبر من مفاسده لأنه سبيل العز ودرء الظلم والاستبداد عن البشرية، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: "وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ذُلُّوا"، قال عكرمة في هذه الآية: "إنهم كرهوه ثم أحبوه" لما فيه من فضل وثواب لا يعلمه إلا الله.
2 - ودل قوله تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ... ﴾ على أن المؤمن العاقل، يجب عليه أن يأخذ بالأسباب ويمتثل أمر ربه ثم يقف بعد ذلك موقف العبد الراضي المسلم بكل ما يقدره له مولاه الكريم الرحيم وإن جاء خلاف ما تشتهيه نفسه لأنه لا يدري حقيقة الخير أين هو، أهو في المنع أم في العطاء، "فربما منعك