تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والضرر عليكم، فلعل لكم في القتال - وإِن كرهتموه - خيراً لأن فيه إِما الظفر والغنيمة أو الشهادة والأجر، ولعل لكم في تركه - وإِن أحببتموه - شراً لأن فيه الذل والفقر وحرمان الأجر، وقد شرح ابن عطاء الله السكندري رحمه الله هذه الآية بحكمته المشورة: "ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك، ولو أدركت حكمة المنع لعرفت أنه عين العطاء" والمعنى أن الله تعالى قد يعطيك شيئاً أنت تراه عطاء ولكنه في حقيقة الأمر منع لأن ذلك الشيء يكون سبباً في حرمانك من أشياء هي أفضل منه، كمن يتمنى الولد فيكرم به فيكون سبباً في شقائه في الدنيا والآخرة، وربما يمنعك الله من شيء فيكون ذلك المنع سبباً في سعادتك في الدنيا والآخرة ولو أعطيته لشقيت، ولو كشف الله لك الحجاب وأدركت حكمة المع لتيقنت أنه عين العطاء وهو السعادة بعينها، فما على المؤمن العاقل إلا أن يأخذ بالأسباب ثم يسلم الأمر لله يفعل به ما يشاء، فهو وحده الذي يعلم ما يُصلحه وما يفسده، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أي الله أعلم بعواقب الأمور منكم وأدرى بما فيه صلاحكم في دنياكم وآخرتكم فبادروا إِلى ما يأمركم به. وهذا تأكيد منه تعالى لعباده المؤمنين حتى يتيقنوا من تلك الحقيقة ويسلموا الأمر لله تعالى.

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ أي يسألك أصحابك يا محمد عن القتال في الشهر الحرام أيحل لهم القتال فيه؟ ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ أي قل لهم القتال فيه أمره كبير ووزره عظيم ولكن هناك ما هو أعظم وأخطر وهو ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي ومنع مشركي قريش المؤمنين عن دين الله وكفرُهم بالله وصدُّهم عن المسجد الحرام - يعني مكة - وإِخراجكم من البلد الحرام وأنتم أهله وحماته، كلُّ ذلك أعظم وزراً وذنباً عند الله من قتل من قاتلكم من المشركين، فإِذا استعظموا قتالكم لهم في الشهر الحرام فليعلموا أنَّ ما ارتكبوه في حق النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أعظم وأشنع ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي فتنة المسلم عن دينه حتى يردوه إِلى الكفر بعد إِيمانه أكبر عند الله من القتل. ثم بيّن تعالى أن قتال الكفار للمسلمين مستمر، فقال: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ أي ولا يزالون جاهدين في قتالكم حتى يعيدوكم إِلى الكفر والضلال إِن قدروا، و"إن" تأتي دائماً في الأمر المشكوك فيه، والمعنى: ولن يستطيعوا أبداً أن يردوكم جميعاً عن دينكم، فهم غير راجعين عن كفرهم وعدوانهم، ولذا عليكم أن تحذروا من مكايدهم حتى لا ترجعوا عن دينكم، ومن رجع عن دينه فمصيره: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ أي ومن يستجب لهم منكم فيرجع عن دينه ويرتد عن الإِسلام ثم يموت على الكفر فقد بطل عمله الصالح في الدارين وذهب ثوابه ﴿وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي وهم مخلدون في جهنم لا يخرجون منها أبداً.

فائدة: قد يتساءل بعض الناس عن مصير بعض الكفار الذين قدموا خدمات إنسانية راقية لا يزال العالم ينتفع بها، كيف لا ينالون جزاءهم يوم القيامة على تلك الأعمال النافعة؟ والجواب: أن الذي يعمل عملاً يطلب الأجر ممن عمل له، وهؤلاء لم يضعوا في حسبانهم أن ينالوا الثواب من الله، وإنما كان همهم الإنسانية والشهرة والمجد، وقد

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٥١٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٥١٧٦