الثاني: ينبغي أن يكون هذا المنفق مما يصدق عليه بين العقلاء أنه من الخير، "فإن الله طيب ولا يقبل إلا طيباً" كما جاء في الحديث. ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أي وكل معروف تفعلونه يعلمه الله وسيجزيكم عليه أوفر الجزاء. وبناء على ذلك فقدموا المعروف للناس ولا تنتظروا منهم جزاء ولا مدحاً، لأن الله المتفضل عليكم بهذا الخير هو الذي سيجازيكم عليه الجزاء الأولى ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسروراً وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً﴾ [الإنسان: 8 - 12].
ما يستخلص من الآية [215]:
1 - دلت الآية على أن أبواب الخير كثيرة، وبإمكان أي مسلماً ولو كان فقيراً، أن ينفق في سبيل الله من وقت، ومن علمه، ومن بسطة وجهه، ومن صحته وإلى ذلك.
2 - ودلت أيضاً على أن الكثير والقليل يستحق به المسلم الثواب عند الله إذا ابتغى بذلك وجه الله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره﴾ [الزلزلة: 7].
3 - الإنفاق يكون على حسب الأقرب فالأقرب، للآية ولقوله صلى الله عليه وسلم "ابدأ بمن تعول: أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك فأدناك".
فرضية القتال وإباحته في الأشهر الحرم
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ والْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَت اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)﴾
سبب نزول الآية (216):
قال ابن عباس: لما فرض الله الجهاد على المسلمين شق عليهم وكرهوا، فنزلت هذه الآية.
سبب نزول الآية (217):
أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير والبيهقي في سننه عن جندب بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رهطاً وبعث عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، فلقوا ابن الحضرمي، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى فقاتلوهم وقتلوا منهم، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ فسبب نزولها قصة عبد الله بن جحش باتفاق المفسرين.
﴿كُتِبَ عَليْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ أي فرض عليكم قتال الكفار أيها المؤمنون وهو شاق ومكروه على نفوسكم لِما فيه من بذل المال وخطر هلاك النفس ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي ولكن قد تكره نفوسكم شيئاً وفيه كل النفع والخير ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ أي وقد تحب نفوسكم شيئاً وفيه كل الخطر