تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للنصر لتناهي الشدة عليهم، وهذا غاية الغايات في تصوير شدة المحنة، فإِذا كان الرسل - مع علو كعبهم في الصبر والثبات - قد عيل صبرهم وبلغوا هذا المبلغ من الضجر والضيق كان ذلك دليلاً على أن الشدة بلغت منتهاها قال تعالى جواباً لهم ﴿أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ أي ألا فأبشروا بالنصر فإِنه قد حان أوانه ﴿ولينصرنَّ الله من ينصره إِن الله لقوي عزيز﴾.

ما يستخلص من الآيات [213 - 214]:

1 - دلت الآية [213] على أن الناس كانوا أمة واحدة والحرص على الاستئثار بلذات الدنيا فرقهم وشتتهم، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: "حب الدنيا رأس كل خطيئة" وقال أيضاً محذراً أصحابه وأمته: "ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على الذين من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم"، وتحصيل لذات الدنيا المباحة شرعاً ليس ممنوعاً شرعاً، وإنما المحظور هو البغي في تحصيلها بأن يتجاوز المرء حقوقه ليلتهم حقوق الآخرين، أو أنه يستخدم ما أكرمه الله به من نعم في الترفع على الناس واحتقارهم واستغلالهم.

2 - ودلت أيضاً على سعة رحمة الله بعباده إذ أرسل إليهم رسله وأنبيائه ليذكروهم بطريق الله القويم الذي حادوا عنه وتاهوا في ظلمات أهوائهم ونزعات شهواتهم التي زادتهم شقاء إلى شقاء بسب ما نتج عنها من تحاسد وتدابر وتقاتل وما إلى ذلك.

3 - ودل قوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تتركوا ... ﴾ على أن هذه الدنيا هي دار ابتلاء واختبار، وأنها لا تصفو لأحد، ولو صفت لأحد لصفت للأنبياء والمرسلين عليهم السلام، فلا بد من التمحيص ليتميز الصادق في إيمانه من المدعي الكاذب، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾ [العنكبوت: 1 - 3].

مقدار نفقة التطوع ومصرفها

﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)﴾

سبب النزول:

قال ابن عباس: نزلت في عمرو بن الْجَمُوح الأنصاري، وكان شيخاً كبيراً ذا مال كثير، فقال: يا رسول الله، بماذا أتصدق، وعلى من أنفق؟ فنزلت هذه الآية.

﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ أي يسألونك يا محمد ماذا ينفقون وعلى من ينفقون؟ وقد نزلت لمّا قال بعض الصحابة يا رسول الله: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ ﴿قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ أي قل لهم يا محمد اصرفوها في هذه الوجوه، وقوله تعالى ﴿من خير﴾ فيه إشارة إلى أمرين مهمين:

الأول: أن الخير يشمل أشياء كثيرة فمن أعطى ماله فقد أنفق، ومن أعطى علمه فقد أنفق، ومن أعطى ضحى بوقته من أجل الآخرين فقد أنفق، ومن واسى منكوباً مهموماً بكلمة طيبة فقد أنفق، فهي عامة في كل خير، فلو حصر الله الإنفاق في المال فقط لعجز عنه كثير من الناس، ولكنه تعالى وسع الدائرة لتشمل جميع المسلمين.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٥١٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٥١٧٤