ففاعل الخيرات يرغب في لقاء ربه وينساق إليه، وفاعل الموبقات يكره لقاء الله ولكنه يُساق إليه سوقاً، فمن لم يأت راغباً جاء راهباً.
ثم قال تعالى مخاطباً رسوله الكريم ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ "كم" هنا كناية عن الإخبار عن الأمر الكثير بخلاف "كم" الاستفهامية. أي سلْ يا محمد بني إِسرائيل - توبيخاً لهم وتقريعاً - كم شاهدوا مع موسى من معجزات باهرات وحجج قاطعات تدل على صدقه، ألم يفلق لهم البحر ونجاهم من فرعون؟ ألم يظللهم الله بالغمام؟ ألم يعطهم الله المنّ والسلوى؟ وغير ذلك من نعمه التي لا تعد ولا تُحصى، ومع ذلك كفروا ولم يؤمنوا، فحل عليهم غضب الله وأخذهم بالسنين وألوان العذاب، ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي من يبدل نعم الله بالكفر والجحود بها فإِن عقاب الله له أليم وشديد، والعقاب كما يكون في الآخرة يكون في الدنيا أيضاً وبألوان شتى وما هذه الزلازل والبراكين والعواصف والأمراض والأزمات وغيرها ببعيد عنا، ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أي زينت لهم شهوات الدنيا ونعيمها حتى نسوا الآخرة وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهافتوا عليها وأعرضوا عن دار الخلود. ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي وهم مع ذلك يهزؤون ويسخرون بالمؤمنين يرمونهم بقلة العقل لتركهم ما حرمه الله عليهم من الدنيا وإِقبالهم على الآخرة كقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ قال تعالى رداً عليهم ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي والمؤمنون المتقون لله فوق أولئك الكافرين منزلةً ومكانة، فهم في أعلى علّيين وأولئك في أسفل سافلين، والمؤمنون في الآخرة في أوج العز والكرامة والكافرون في حضيض الذل والمهانة.
فائدة: قال تعالى: ﴿والذين اتقوا فوقهم﴾ ولم يقل ﴿والذين آمنوا فوقهم يوم القيامة﴾ حتى لا يؤخذ الإيمان على أنه اسم مجرد عن مسماه الذي هو الالتزام بمقتضياته، فالدرجة العالية يوم القيامة لا تنال بمجرد الادعاء بل لا بد من التقوى.
﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي والله يرزق أولياءه رزقاً واسعاً رغداً، لا فناء له ولا انقطاع كقوله ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أو يرزق في الدنيا من شاء من خلقه ويوسع على من شاء مؤمناً كان أو كافراً، براً أو فاجراً على حسب الحكمة والمشيئة دون أن يكون له محاسب سبحانه وتعالى.
فائدة: من الخطأ أن نحصر الرزق فيما هو شائع كالمال والأولاد، لأن الزرق يشمل كل ما ينتفع به، فالعلم رزق والخلق رزق، والصبر رزق، والصحة رزق والمكانة في المجتمع رزق وغير ذلك من الأرزاق التي لا تعد ولا تحصى، فمن ابتلى في نوع واحد من الرزق كالمال مثلاً فتضجر ونسي الأرزاق الكثيرة التي متعه الله بها فهو من اللؤماء.
ما يستخلص من الآيات [208 - 212]:
1 - الإسلام كل متكامل لا يقبل التجزء، فمن آمن به وجب عليه أن يلتزم بجميع تعاليمه ونبذ ما سواه مما يتعارض معه، فمن لم يستجب لذلك دخل تحت قوله تعالى: ﴿أفتؤمنون بعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون﴾ [البقرة: 85].