السبت، وكرهوا لحمان الإبل وألبانها بعدما أسلموا، فأنكر ذلك عليهم المسلمون، فقالوا: إنا نقوى على هذا وهذا، وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنعمل بها، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ثم أمر تعالى المؤمنين بالانقياد لحكمه والاستسلام لأمره والدخول في الإِسلام الذي لا يقبل الله ديناً سواه فقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ أي ادخلوا في الإِسلام بكليته في جميع أحكامه وشرائعه، فلا تأخذوا حكماً وتتركوا حكماً، لا تأخذوا بالصلاة وتمنعوا الزكاة مثلاً فالإسلام كلٌ لا يتجزأ، ويريد الله تعالى بهذه الدعوة أن يعصم الناس من فتنة اختلاف أهوائهم، ثم حذرنا الحق جل وعلا من اتباع الشيطان لأنه هو الذي يعمل على إبعادنا عن منهج الله، فقال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أي لا تتبعوا طرق الشيطان وإغواءه فإنه عدوَ لكم ظاهر العداوة، وعداوته لكم قديمة، وقد توعدكم بالإغواء جميعاً، فقال تعالى على لسانه: ﴿لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين﴾ [ص: 82 - 83].
فائدة: ضابط التفريق بين ما يزينه الشيطان وما تزينه النفس: أن النفس تصر على معصية من لون واحد، فهي تريد من صاحبها لوناً واحداً من المعصية يتبع نقصها، كحب تجميع المال من حله وحرامه، أو الركض وراء الجنس وما إلى ذلك. وأما الشيطان فلا يصر على معصية بعينها، فكلما تفطن الإنسان لإغوائه من باب انتقل إلى باب آخر ولون آخر من المعصية حتى يوقع صاحبه، ولا لذا قال تعالى: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾، فسبله متعددة، فإذا وفّق الله عبده وغلق على الشيطان الباب الذي أتاه منه فلا يطمئن إلى جانبه، وعليه أن ينتظر مجيئه من باب آخر.
﴿فإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءتْكُمْ الْبَيِّنَاتُ﴾، الزلة هي المعصية، وهي مأخوذة من "زال"، وذاك الشيء إذا خرج عن استقامة، فكل شيء له استقامة والخروج عنها يعتبر زللاً وانحرافاً، أي إن انحرفتم عن الدخول في الإسلام من بعد مجيء الحجج الباهرة والبراهين القاطعة على أنه حق ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي اعلموا أن الله غالب لا يعجزه الانتقام ممن عصاه حكيم في خلقه وصنعه ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ أي ما ينتظرون شيئاً، وما الذي يؤجل دخولهم في الإسلام كافة؟ فهل ينتظرون إِلا أن يأتيهم الله يوم القيامة لفصل القضاء بين الخلائق حيث تنشق السماء وتظهر آيات الله العظام وأمره وتأتي ظللٍ من الغمام وحملة العرش والملائكة الذين لا يعلم كثرتهم إِلا الله ولهم زجل من التسبيح يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح ﴿وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ أي انتهى أمر الخلائق بالفصل بينهم فريق في الجنة وفريق في السعير، وإِلى الله وحده مرجع الناس جميعاً. والمقصود تصوير عظمة يوم القيامة وهولها وشدتها وبيان أن الحاكم فيها هو ملك الملوك جل وعلا الذي لا معقب لحكمه ولا رادّ لقضائه وهو أحكم الحاكمين. والمراد من هذا الخطاب والتقريع أن ينتهزوا الفرصة ويندفعوا لهذا الدين الحق قبل أن يفوت الأوان.
فائدة: قوله تعالى: ﴿ترجع الأمور﴾ فيها قراءتان بفتح التاء وضمها، فعلى الفتح فإن الأمور تكون مندفعة إلى الله بذاتها، وعلى الضم فإنها تساق إلى سوقاً، فكذلك الإنسان