﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أي قولاً حسناً بخفض الجناح، ولين الجانب، مع الكلام الطيّب ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أي صلوا وزكّوا كما فرض الله عليكم من أداء الرُّكْنَيْن العظيمين "الصلاة، والزكاة" لأنهما أعظم العبادات البدنية والمالية ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي ثم رفضتم وأسلافكم الميثاق رفضاً باتاً، وأعرضتم عن العمل بموجبه إِلاّ قليلاً منكم ثبتوا عليه.
فائدة: توليتم، يعني أعرضتم، إلا أن التولي قد يكون بنية حسنة كما في قوله تعالى ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله﴾ [الأنفال: 16]. فالتولي بنية الهرب مذموم، ولكنه إذا كان بنية إعانة فئة أخرى من المسلمين أو تغيير الموقع للانقضاض على العدو فهو محمود.
والحق سبحانه وتعالى في هذه الآية أراد أن يلفت نظرنا إلى أن اليهود تولوا بنية الإعراض لا بنية أخرى ولذا قال تعالى ﴿ثم توليتم إلا قليلاً منكم وأنتم معرضون﴾ فأكد نواياهم السيئة بقوله ﴿وأنتم معرضون﴾.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ﴾ أي واذكروا أيضاً يا بني إِسرائيل حين أخذنا عليكم العهد المؤكد بأن لا يقتل بعضكم بعضاً.
فائدة: لماذا قال الله تعالى ﴿لا تسفكون دماءكم﴾ مع أن المراد قتل الغير؟
وكذلك قوله ﴿ولا تُخرجون أنفسكم﴾ مع أن المراد إخراج الغير.
والجواب أن الله تعالى تخاطب الجماعة المؤمنة على أنها وحدة واحدة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" [رواه البخاري] فمن قتل أخاه فكأنما قتل نفسه.
﴿وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ ولا يعتدي بعضكم على بعض بالإِخراج من الديار، والإِجلاء عن الأوطان ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أي ثمّ اعترفتم بالميثاق وبوجوب المحافظة عليه، وأنتم تشهدون بلزومه.
﴿ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ أي ثم نقضتم أيضاً الميثاق يا معشر اليهود بعد إِقراركم به، فقتلتم إِخوانكم في الدين، وارتكبتم ما نهيتم عنه من القتل ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ﴾ أي كما طردتموهم من ديارهم من غير التفاتٍ إِلى العهد الوثيق ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ أي تتعاونون عليهم بالمعصية والظلم ﴿وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ أي إِذا وقعوا في الأسر فاديتموهم، ودفعتم المال لتخليصهم من الأسر ﴿وَهُوَ مُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ أِخْرَاجُهُمْ﴾ أي فكيف تستبيحون القتل والإِخراج من الديار، ولا تستبيحون ترك الأسرى في أيدي عدوهم؟.
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعضٍ﴾؟ أي أفتؤمنون ببعض أحكام التوراة وتكفرون ببعض؟ والغرض التوبيخ لأنهم جمعوا بين الكفر والإِيمان، والكفر ببعض آيات الله كُفْرٌ بالكتاب كله، ولهذا عقّب تعالى ذلك بقوله ﴿فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي ما عقوبة مَن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض إِلا ذلٌ وهوان، ومقتٌ وغضب في الدنيا ﴿وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ أي وهم صائرون في الآخرة إِلى عذاب أشدّ منه، لأنه عذاب خالد لا ينقضي ولا ينتهي ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وفيه وعيد شديد لمن عصى أوامر الله.