فائدة: كانت (بنو قريظة) و (بنو النضير) من اليهود، فحالفت بنو قريظة الأوس، وبنو النضير الخزرج، فكانت الحرب إِذا نشبت بينهم قاتل كل فريق من اليهود مع حلفائه، فيقتل اليهودي أخاه اليهودي من الفريق الآخر، يخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأثاث والمتاع والمال، وذلك حرام عليهم في دينهم وفي نص التوراة، ثم إِذا وضعت الحرب أوزارها افْتكُوا الأسارى من الفريق المغلوب عملاً بحكم التوراة ولهذا قال تعالى ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعضٍ﴾.
ثم أخبر تعالى عن سبب ذلك العصيان والعدوان فقال ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ﴾ أي أولئك الموصوفون بما ذكر من الأوصاف القبيحة هم الذين استبدلوا الحياة الدنيا بالآخرة بمعنى اختاروها وآثروها على الآخرة ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ أي لا يُفتَّر عنهم العذاب ساعة واحدة ﴿وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي وليس لهم ناصر ينصرهم، ولا مجير ينقذهم من عذاب الله الأليم.
ما يستخلص من الآيات [83 - 86]:
1 - الأمور التي أمر الله بها بني إسرائيل في الآية (83) وأخذ منهم العهد عليها أمر بها تعالى جميع الخلق، وهي تكوِّن النظام الديني والاجتماعي والأخلاقي وقد رتبها ترتيباً دقيقاً متناسقاً، فقدم حق الله تعالى في أفراده بالعبودية لأنه هو المنعم والمتفضل على جميع خلقه، ثم ذكر الوالدين لأنهما سبب وجود الإنسان، وهم اللذان رعاياه صغيراً حتى كبر واشتد، ثم القرابة لأن فيهم صلة الرحم، ثم اليتامى لقصورهم ثم المساكين لضعفهم، ثم أمر تعالى بالقول الحسن لإبعاد الشيطان عن بني البشر مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم﴾ [الإسراء: 53]، ثم ختم جل جلاله تلك الأوامر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، لأن الأولى تقوي الصلة بين العبد وربه ومَنْ قويت صلته بربه التزم أوامره التي تحثه على الإحسان لخلقه. والثانية تقوى الصلة بينه وبين الخلق وتخرج الدنيا من قلبه، وبهذا يحدث الترابط والتكافل بين أفراد المجتمع وهو ما يقصد إليه الشارع الحكيم.
2 - السبب الأساسي في الإعراض عن شرع الله تعالى هو التعلق بالدنيا وجعلها غاية وهدفاً حتى يشرب القلب بحبها، ولذا ختم المقطع القرآني بـ ﴿أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة﴾ فحب الدنيا رأس كل خطيئة كما جاء في الحديث الشريف، ولذا حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته من التعلق بالدنيا، فقال: "ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على الذين من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم".
فالتعامل مع الدنيا أمر مطلوب شرعاً، ولكن على أن تكون وسيلة للبناء والترابط والتكافل، لا على أن تكون هدفاً وغاية في حد ذاته تستعمل في سبيل تحقيقها كل الطرق المشروعة وغير المشروعة، بحيث يصبح المرء لا يجد أي حرج في سفك الدماء والبطش بكل مَنْ تسول له نفسه بمنافسته فيها، وهو ما حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3 - الشريعة كل متكامل فلا يجوز أن نطبق بعضها ونعرض عن الآخر بحجة أنها لم تعد صالحة لهذا الزمان، لأن هذه المقولة من أساسها باطلة عِلميَّاً وواقعاً.