ارتكب إلى جانب كفره السيئات ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ أي غمرته من جميع جوانبه، وسدّت عليه مسالك النجاة، بأن فعل مثل فعلكم أيها اليهود ﴿فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي فالنار ملازمة لهم لا يخرجون منها أبداً.
فائدة: "بلى" حرف جواب في النفي، أي ينفي الذي قبله. أي قولكم ﴿لمن تمسنا النار إلا أياماً معدودة﴾ غير صحيح، بل ستخلدون فيها. ومن هنا فإذا قال لك إنسان: ليس لك عندي شيء. وأردت أن تنفي ذلك، فعليك أن تقول: بلى. ولو قلت: نعم. تكون قد أثبتْتَ ما ادعاه.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي وأما المؤمنون الذين جمعوا بين الإِيمان، والعمل الصالح فلا تمسهم النار، بل هم في روضات الجنات يحبرون ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي مخلدون في الجنان لا يخرجون منها أبداً، اللهم اجعلنا منهم يا أرحم الراحمين.
ما يستخلص من الآيات [79 - 82]:
1 - أفاد قوله تعالى ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم﴾ مَدَى تعمد هؤلاء اليهود للإثم. لأن الإثم قد يرتكب بالأمر وقد يرتكب بالفعل. فرئيس الدولة غالباً لا يكتب الكتب بيده وإنما تكتب بأمره ولكن هؤلاء الأحبار حرفوا وبدلوا كلام الله بأيديهم ليتأكدوا أن الأمر قد تم كما يريدون، فليست المسألة نزوة عابرة ولكنها مع سبق الإصرار والترصد، وموقمة العصيان.
2 - تضمنت الآية ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب ... ﴾ التحذير من التبديل والتغيير والزيادة في شرع الله، فكل من بدّل وغيّر وابتدع في دين الله ما ليس منه فهو داخل تحت هذا الوعيد الشديد إلا أن هذا التبديل والتحريف على نوعين، الأول: تبديل وتحريف في الحروف والألفاظ وهو الأشد، والثاني: تحريف وتبديل في المعاني والأحكام التي تستخلص من الألفاظ والحروف. ولئن سلمت هذه الأمة من الوقوع في الأول لقوله تعالى ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ فقد وقع بعض هذه الأمة في الثاني والعياذ بالله، وما تلك الفتاوى الباطلة -كإباحة الفوائد الربوية القليلة، والاستعانة بالمشركين لقتال المسلمين- التي يبتغي بها عرض من الدنيا قليل أو التزلف للحكام والسلاطين، ببعيد. ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "افترقت بنوا إسرائيل إلى اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في لنار إلا واحدة" فاللهم اجعلنا من الفرقة الناجية.
3 - أفاد قوله تعالى ﴿بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ... ﴾ أن المعصية وحدها لا تخلد صاحبها في النار ما لم تكن مقرونة بالشرك، ومن هنا فأنسب تفسير لـ ﴿أحاطت به خطيئته﴾ هو الشرك بالله، لأنه هو الذي يحيط بالإنسان من كل جانب ويحجب عنه رحمة الله، ودليل ذلك قوله تعالى ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: 48]. ولما كان هؤلاء اليهود -ومن سار على طريقهم- عصاة ومشركين استحقوا الخلود في النار ﴿فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾.
4 - أرشدت الآية الأخيرة ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات ... ﴾ إلى أن دخول الجنة منوط بالإيمان والعمل الصالح كما روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال