فائدة: تدخل الباء بعد كلمة الاستبدال على المتروك، فتقول: اشتريت الثوب بدرهم، أي أخذت الثوب وتركت الدرهم. فبنو إسرائيل تركوا الذي هو خير وهو المنّ والسلوى وأخذوا الذي هو أدنى، بمعنى أنه دونه رتبة في الخيرية، لا بمعنى أنه دنيء لأن رزق الله المباح لا يوصف بالدناءة.
﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ أي ادخلوا مصراً من الأمصار وبلداً من البلدان أيّاً كان لتجدوا فيه مثل هذه الأشياء.
ومن الممكن أن تكون مصر التي عاش فيها فرعون.
وكلمة مصر تطلق على كل مكان له مفتي وأمير وقاض، وهي مأخوذة من الاقتطاع، لأنه مكان يقطع امتداد الأرض الخلاء.
ثم قال تعالى منبهاً على ضلالهم وفسادهم وبغيهم وعدوانهم ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ أي لزمهم الذل والهوان وضرب عليهم الصغار والخزي الأبدي الذي لا يفارقهم مدى الحياة ﴿وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ﴾ أي انصرفوا ورجعوا بالغضب والسخط الشديد من الله ﴿ذَلِكَ﴾ أي ما نالوه من الذل والهوان والسخط والغضب بسبب ما اقترفوه من الجرائم الشنيعة ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُون النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي بسبب كفرهم بآيات الله جحوداً واستكباراً، وقتلهم أنبياء الله ظلماً وعدواناً ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ أي بسبب عصيانهم وطغيانهم وتمردهم عَلى أحكام الله.
فائدة: فإن قيل: كيف جاز أن يخلى بين الكافرين وقتل الأنبياء؟ أجيب: بأن ذلك كرامة لهم، وزيادة في منازلهم، كمثل من يُقتل في سبيل الله من المؤمنين، وليس ذلك بِخذْلان لهم. قال ابن عباس والحسن البصري: لم يُقتل نبي قط من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال، وكلّ من أمر بقتال نُصِر.
ما يستخلص من الآيات [61]:
1 - ترك الأفضل من المطعومات وطلب الأدنى منه من بصل وعدس وثوم ونحوها، دليل على أن النفس البشرية قد تبدّل الطيّب بالخبيث، والأرقى بالأدنى. قال الحسن البصري: كان اليهود نتانى أهل كرّاث وأبصال وأعداس، فنزلوا إلى عكرهم -أي أصلهم- عِكْرَ السوء، واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم، فقالوا (لن نصبر على طعام واحد)، وقولهم (لن نصبر) يدل على كراهتهم ذلك الطعام، وعدم الشكر على النعمة دليل الزوال، فكأنهم طلبوا زوالها ومجيء غيرها.
2 - حكم أكل الثوم والبصل وما له رائحة.
3 - أفاد قوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ أن الله تعالى يخلق الأرزاق وغيرها بالأسباب، وبالأمر المباشر بكلمة (كُنْ) وما يخلقه بغير سبب يكون أفضل مما خلقه بسبب، لأن الخلق المباشر عطاء خالص من الله تعالى ولا دخل ليد الإنسان فيه، فما كان خالصاً من عطاء الله فهو قريب من عطاء الآخرة، ولذا قال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ فوصف رزق الدنيا بأنه فتنة، ووصف رزق الآخرة بأنه خير وأبقى.