مسلمين ومشركين، لا يملكون أن يقاوموا وقع هذا القرآن، ولا أن يتماسكوا لهذا السلطان، ثم أفاقوا بعد فترة فإذا هم في ذهول من سجودهم كذهولهم وهم يسجدون!!
بهذا تواترت الروايات، ثم افترقت في تعليل هذا الحديث الغريب، وما هو في الحقيقة بالغريب، فهو تأثير هذا القرآن العجيب ووقعه الهائل في القلوب!
ولقد بقيت فترة أبحث عن السبب الممكن لهذا السجود، ويخطر لي احتمال أنه لم يقع، وإنما هي رواية ذكرت لتعليل عودة المهاجرين من الحبشة، بعد نحو شهرين أو ثلاثة، وهو أمر يحتاج إلى تعليل، وبينما أنا كذلك وقعت لي تجربة شعورية خاصة وهي ... ) [26].
الفن
1 - القصة: وذلك أن القصة الواحدة ترد في سور شتى، وفواصل مختلفة، بأن يأتي في موضع واحد مقدماً وفي آخر مؤخراً، كقوله في سورة البقرة: ((وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ)) [البقرة:58] وقوله في الأعراف: ((وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً)) [الأعراف:161] وقوله في البقرة: ((وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ)) [البقرة:173] وسائر القرآن: ((وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ)) [المائدة:3] سورة الأنعام (145)، سورة النحل (115) [27].
2 - التصوير: هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن، فهو يعبر بالصورة المحسوسة المتخيلة عن المعنى الذهني والحالة النفسية، وعن الحادث المحسوس، والمشهد المنظور، وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية، ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة [28].
والآن نأخذ في ضرب الأمثال:
ونبدأ بالمعاني الذهنية التي تخرج في صورة حسية:
أ- يريد أن يبين أن الذين كفروا لن ينالوا القبول عند الله ولن يدخلوا الجنة إطلاقاً، وأن القبول أو الدخول أمر مستحيل، هذه هي الطريقة الذهنية للتعبير عن هذه المعاني المجردة، ولكن أسلوب التصوير يعرضها في الصورة الآتية: ((إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ)) [الأعراف:40] ويدعك ترسم بخيالك صورة لتفتح أبواب السماء، صور أخرى لولوج الحبل الغليظ في سم الخياط، ويختار من أسماء الحبل الغليظ اسم (الجمل) خاصة في هذا المقام، ويدع للحس أن يتأثر عن طريق الخيال بالصورتين ما شاء له التأثر؛ ليستقر في النهاية معنى القبول ومعنى الاستحالة في أعماق النفس، وقد وردا إليها عن طريق العين والحس –تخيلاً- وعبرا إليها من منافذ شتى في هينة وتؤدة، لا من منفذ الذهن وحده، في سرعة الذهن التجريدية [29].
ب- ويريد أن يبين أن الذي يشرك بالله، لا منبت له ولا جذور، ولا بقاء له ولا استقرار، يمثل لهذا المعنى بصورة سريعة الخطوات عنيفة الحركات: ((وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ)) [الحج:31] هكذا في ومضه يخر من السماء من حيث لا يدري أحد، فلا يستقر على الأرض لحظة أن تخطفه الطير أو أن الرياح تهوي به في مكان سحيق حيث لا يدري أحد كذلك وذلك هو المقصود. [30]