في مجال الدعوة الدينية، وفي مجال التأملات الوجدانية، ولقد كان المتوقع أن يعرف الإنسان هذا الفضل العظيم، وأن يشعر بتلك النقلة البعيدة، ولكن: ((كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى)) [العلق:6، 7].
لقد برزت إذن صورة الإنسان الطاغي الذي نسي منشأه وأبطره الغنى، فالتعقيب التهديدي السريع على بروز هذه الصورة هو: ((إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى)) [العلق:8] فإذا رد الأمر إلى نصابه هكذا سريعاً، لم يكن هناك ما يمنع من المضي في حديث الطغيان الإنساني، وإكمال الصورة الأولى: إن هذا الإنسان الذي يطغى ليتجاوز بطغيانه نفسه إلى سواه: ((أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى)) [العلق:9،10] أرأيت؟ إنها لكبيرة وإنها لتبدو أكبر إذا كان هذا العبد على الهدى آمراً بالتقوى: ((أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى)) [العلق:11،12] صلى الله عليه وسلم، فما بال هذا المخلوق الإنساني غافلاً عن كل شيء غفلته عن نشأته ونقلته؟
((أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى)) [العلق:13، 14] فالتهديد إذن يأتي في إبانه: ((كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَا بِالنَّاصِيَةِ)) [العلق:15] هكذا (لنسفعا) بذلك اللفظ الشديد المصور بجرسه لمعناه .. وأنه لأوقع من مرادفه: لنأخذنه بشدة. و (لنسفعاً بالناصية) صورة حسية للأخذ الشديد السريع، ومن أعلى مكان يرفعه الطاغية المتكبر، من مقدم الرأس المتشامخ، إنها ناصية تستحق السفع: ((نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ)) [العلق:16] وإنها للحظة سفع وصرع فقد يخطر له أن يدعو من يعتز بهم من أهله وصحبه: ((فَلْيَدْعُ نَادِيَه)) [العلق:17] ومن فيه، أما نحن فإننا ((سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ)) [العلق:18] وهنا يخيل السياق للسامع صورة معركة بين المدعوين: بين الزبانية وأهل ناديه، وهي معركة تخييلية تشغل الحس والخيال، ولكنها على هذا النحو معروفة المصير، فلتترك لمصيرها المعروف، وليمض صاحب الرسالة في رسالته، غير متأثر بطغيان الطاغي وتكذيبه، ((كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ)) [العلق:19] هذا ابتداء قوي منذ اللحظة الأولى للدعوة، وهذه الفواصل التي تبدو في الظاهر متناثرة، هي هكذا من الداخل متناسقة وهذا نسق من القرآن في السورة الأولى الشبيه في ظاهرها بسجع الكهان، أو حكمة السجاع) [24].
التأثير
الروعة التي تلحق قلوب سامعيه وأسماعهم عند سماعه، والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته لقوة حاله وإبانة خطره، هي على المكذبين به أعظم حتى كانوا يستثقلون سماعه، وأما المؤمن فلا تزال روعته به وهيبته إياه مع تلاوته توليه انجذاباً، وتكسبه هشاشة لميل قلبه إليه، وتصديقه به، قال تعالى:
((تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ)) [الزمر:23] [25].قال سيد رحمه الله يبين هذا التأثير في تفسيره لسورة النجم: ((فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا)) [النجم:62] وإنها لصيحة مزلزلة مذهلة في هذا السياق وفي هذه الظلال، وبعد هذا التمهيد الطويل، الذي ترتعش له القلوب، ومن ثم سجدوا، سجدوا وهم مشركون! وهم يمارون في الوحي والقرآن! وهم يجادلون في الله والرسول!
سجدوا تحت هذه المطارق الهائلة التي وقعت على قلوبهم، والرسول صلى الله عليه وسلم يتلو هذه السورة عليهم، وفيهم المسلمون والمشركون، ويسجد فيسجد الجميع،