2 - المناسبة: مناسبة آياته وسوره وارتباط بعضها ببعض حتى تكون الكلمة الواحدة، متسقة المعاني منتظمة المباني ومن ذلك قوله تعالى: ((لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ)) [القيامة:16] ذكر الأئمة لها مناسبات: منها أنه تعالى لما ذكر القيامة وكان من شأن من يقصر عن العمل لها حب العاجلة، فنبه على أنه قد يعترض على فعل الخير ويترك ما هو أجل منه، وهو الإصغاء إلى الوحي وتفهم ما يراد منه، والتشاغل بالحفظ قد يصد عن ذلك فأمر ألا يبادر إلى التحفظ؛ لأن تحفيظه مضمون على ربه، وليصغي إلى ما يراد منه ويقضي ويتبع ما اشتمل عليه، ثم لما انقضت الجملة المعترضة رجع الكلام إلى ما يتعلق بالإنسان المبتدأ بذكره وهو من جنسه فقال: (كلا) وهي كلمة ردع كأنه قال بل أنتم يا بني آدم لكونكم خلقتم من عجل تعجلون في كل شيء، ومن ثم تحبون العاجلة [17].
ومن ذلك ما ذكر الفخر الرازي في مناسبة الفاتحة لما بعدها في قوله تعالى: ((غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)) [الفاتحة:7] المشهور أن المغضوب عليهم هم اليهود، والضالين هم النصارى، وقيل: إنه قول ضعيف، ويحتمل أن يكون المغضوب عليهم هم الكفار والضالون هم المنافقين، وذلك لأنه تعالى بدأ بذكر المؤمنين في سورة البقرة والثناء عليهم في خمس آيات، ثم أتبعه بذكر الكفار ثم أتبعه بذكر المنافقين وكذلك في الفاتحة [18].
3 - لفظة غريبة: وفي القرآن لفظة غريبة هي من أغرب ما فيه، وما حسنت في كلام قط إلا في موقعها فيه، وهي كلمة (ضيزى) من قوله تعالى: ((تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى)) [النجم:22] ومع ذلك فإن حسنها في نظم الكلام من أغرب الحسن ومن أعجبه، ولو أردت اللغة العربية ما صلح لهذا الموضع غيرها، فإن السورة التي هي منها وهي سورة النجم مفصلة كلها على الياء، فجاءت الكلمة فاصلة من الفواصل، ثم هي في معرض إنكار العرب، إذ وردت في ذكر الأصنام وزعمهم بقسمة الأولاد، فإنهم جعلوا الملائكة والأصنام بنات الله مع وأدهم البنات؛ فقال تعالى: ((أَلَكُمْ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى)) [النجم:21، 22] فكانت غرابة اللفظ أشد الأشياء ملاءمة لغرابة هذه القسمة التي أنكرها، وكانت الجملة كلها كأنها تصور في هيئة النطق بها، الإنكار في الأولى والتهكم في الأخرى، وكان هذا التصوير أبلغ ما في البلاغة وخاصة في اللفظة الغريبة الذي تمكنت في موضعها من الفصل [19].
لفتة جميلة من سيد قطب
سحر القرآن: (سَحَرَ القرآن العرب منذ اللحظة الأولى، سواء منهم في ذلك من شرح الله صدره للإسلام، ومن جعل على بصره منهم غشاوة، وإذا تجاوزنا القليل الذين كانت شخصية محمد صلى الله عليه وسلم وحده، هي داعيتهم إلى الإيمان في أول الأمر، كزوجه خديجة، وصديقه أبي بكر، وابن عمه علي، ومولاه زيد، وأمثالهم، فإننا نجد القرآن كان العامل الحاسم أو أحد العوامل الحاسمة في إيمان من آمنوا أوائل أيام الدعوة يوم لم يكن لمحمد حول ولا طول، ويوم لم يكن للإسلام قوة ولا منعة، وقصة إيمان عمر بن الخطاب، وقصة تولي الوليد بن المغيرة، نموذجان من قصص كثيرة للإيمان والتولي، وكلتاهما تكشفان عن هذا السحر القرآني الذي أخذ العرب منذ