إنها محكمة لكونها صفات الله تعالى، متشابهة بالنسبة لنا من حيث كيفيتها مثل صفة: الاستواء على العرش، فهي معلومة في معناها، ولكن الكيف مرفوع كما قال الإمام مالك: الإستواء معلوم، والكيف مرفوع، والسؤال عنه بدعة. أي معنى الاستواء معلوم، ونثبت له كيفية، فصفات الله منزّهة عن الكيف، والسؤال عن الآيات المتشابهات.
=============
محكم القرآن ومتشابهه
المعنى اللغوي
لهذين اللفظين إطلاقات في اللغة وإطلاقات في الاصطلاح فاللغويون يستعملون مادة الإحكام بكسر الهمز في معان متعددة لكنها مع تعددها ترجع إلى شيء واحد هو المنع فيقولون أحكم الأمر أي أتقنه ومنعه عن الفساد ويقولون أحكمه عن الأمر أي رجعه عنه ومنعه منه ويقولون حكم نفسه وحكم الناس أي منع نفسه ومنع الناس عما لا ينبغي ويقولون أحكم الفرس أي جعل له حكمة بفتحات ثلاث والحكمة ما أحاط بحنكي الفرس من لجامة تمنعه من الاضطراب وقيل وآتاه الله الملك والحكمة أي العدل أو العلم أو الحلم أو النبوة أو القرآن لما في هذه المذكورات من الحوافظ الأدبية عما لا يليق
وكذلك يستعمل اللغويون مادة التشابه فيما يدل على المشاركة في المماثلة والمشاكلة المؤدية إلى الالتباس غالبا يقال تشابها واشتبها أي أشبه كل منهما الآخر حتى التبسا ويقال أمور مشتبهة ومشبهة على وزان معظمة أي مشكلة والشبهة بالضم الالتباس ويقال شبه عليه الأمر تشبيها أي لبس عليه بضم الأول وتشديد الثاني مع كسره في الفعلين ومنه قول الله سبحانه وصفا لرزق الجنة وآتوا به متشابها ومنه قول حكاية عن بني إسرائيل إن البقر تشابه علينا انظر القاموس في هاتين المادتين
القرآن محكم ومتشابه
ولقد جاء في القرآن الكريم ما يدل على أنه كله محكم إذ قال سبحانه كتاب أحكمت آياته وجاء فيه ما يدل على أنه كله متشابه إذ قال جل ذكره الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها وجاء فيه ما يدل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه إذ قال عز اسمه هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ولا تعارض بين هذه الإطلاقات الثلاثة لأن معنى إحكامه كله أنه منظم رصين متقن متين لا يتطرق إليه خلل لفظي ولا معنوي كأنه بناء مشيد محكم يتحدى الزمن ولا ينتابه تصدع ولا وهن ومعنى كونه كله متشابها أنه يشبه بعضه بعضا في إحكامه وحسنه وبلوغه حد الإعجاز في ألفاظه ومعانيه حتى أنك لا تستطيع أن تفاضل بين كلماته وآياته في هذا الحسن والإحكام والإعجاز كأنه حلقة مفرغة لا يدري أين طرفاها
وأما أن بعضه حكم وبعضه متشابه فمعناه أن من القرآن ما اتضحت دلالته على مراد الله تعالى منه ومنه ما خفيت دلالته على هذا المراد الكريم فالأول هو المحكم والثاني هو المتشابه على خلاف يأتي بين العلماء في ذلك بيد أن الذي اتفقوا عليه ولا يمكن أن يختلفوا فيه هو أنه لا تنافي بين كون القرآن كله محكما أي متقنا وبين كونه كله متشابها أي يشبه بعضه بعضا في هذا الإتقان والإحكام وبين كونه منقسما إلى ما