وما زال كذلك حتى طمأنه ربه بأن وعده أن يجمعه له في صدره وأن يسهل له قراءة لفظه وفهم معناه فقال له في سورة القيامة لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرءانه فإذا قرأنه فاتبع قرءانه ثم إن علينا بيانه 75 القيامة 16 - 19
وقال له في سورة طه ولا تعجل بالقرءان من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل ربي زدني علما 20 طه 114
ومن هنا كان جامع القرآن في قلبه الشريف وسيد الحفاظ في عصره المنيف
ومرجع المسلمين في كل ما يعنيهم من أمر القرآن وعلوم القرآن
وكان يقرؤه على الناس على مكث كما أمره مولاه وكان يحيي به الليل ويزين الصلاة
وكان جبريل يعارضه إياه في كل عام مرة وعارضه إياه في العام الأخير مرتين
قالت عائشة وفاطمة رضي الله عنهما سمعنا رسول الله يقول إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل سنة مرة وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي
وأما الصحابة رضوان الله عليهم فقد كان كتاب الله في المحل الأول من عنايتهم
يتنافسون في استظهاره وحفظه
ويتسابقون إلى مدارسته وتفهمه
ويتفاضلون فيما بينهم على مقدار ما يحفظون منه وربما كانت قرة عين السيدة منهم أن يكون مهرها في زواجها سورة من القرآن يعلمها إياها زوجها
وكانوا يهجرون لذة النوم وراحة الهجود إيثارا للذة القيام به في الليل والتلاوة له في الأسحار والصلاة به والناس نيام حتى لقد كان الذي يمر ببيوت الصحابة في غسق الدجى يسمع فيها دويا كدوي النحل بالقرآن وكان الرسول يذكي فيهم روح هذه العناية بالتنزيل يبلغهم ما أنزل إليه من ربه
ويبعث إلى من كان بعيد الدار منهم من يعلمهم ويقرئهم كما بعث مصعب بن عمير وابن ام مكتوم إلى أهل المدينة قبل هجرته يعلمانهم الإسلام ويقرئانهم القرآن وكما أرسل معاذ بن جبل إلى مكة بعد هجرته للتحفيظ والإقراء
قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي إلى رجل منا يعلمه القرآن وكان يسمع لمسجد رسول الله ضجة بتلاوة القرآن حتى أمرهم رسول الله أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا
ومن هنا كان حفاظ القرآن في حياة الرسول جما غفيرا منهم الأربعة الخلفاء وطلحة وسعد وابن مسعود وحذيفة وسالم مولى أبي حذيفة وأبو هريرة وابن عمر وابن عباس وعمرو بن العاص وابنه عبد الله ومعاوية وابن الزبير وعبد الله ابن السائب وعائشة وحفصة وام سلمة وهؤلاء كلهم من المهاجرين رضوان الله عليهم أجمعين
وحفظ القرآن من الأنصار في حياته أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو الدرداء ومجمع بن حارثة وأنس بن مالك وأبو زيد الذي سئل عنه أنس فقال أنه أحد عمومتي رضي الله عنهم أجمعين
وقيل إن بعض هؤلاء إنما أكمل حفظه للقرآن بعد وفاة النبي
وأيا ما تكن الحال فإن الذين حفظوا القرآن من الصحابة كانوا كثيرين حتى كان عدد القتلى منهم ببئر معونة ويوم اليمامة أربعين ومائة