كالكير تنفي خَبَثَها وَيَنْصَعُ طيبُها». مما يدل على أن البيعة إذا حصلت لزمت المبايعين، وهذا معناه لا حَقّ لهم بعزل الخليفة، إذ لا حَقّ لهم بإقالة بيعتهم له. ولا يقال إن الأعرابي يريد أن يخرج من الإسلام بإقالته من بيعته، لا مِن طاعة رئيس الدولة، لا يقال ذلك، لأنه لو كان كذلك لكان عمله ارتداداً، ولقَتَلَه الرسول، لأن المرتد يُقتَل، ولأن البيعة ليست بيعة على اعتناق الإسلام، بل على الطاعة. ولذلك كان يريد الخروج مِن الطاعة، لا الخروج من الإسلام. وعليه فلا يَصحّ للمسلمين أن يَرجعوا عن بيعتهم، فلا يَملكون عزل الخليفة. إلا أن الشرع بَيّن متى ينعزل الخليفة مِن غير حاجة لعزل، ومتى يستحق العزل، وهذا كذلك لا يعني أن عزله للأُمة.
محكمة المظالم هي التي تملك عزل الخليفة
محكمة المظالم وحدها هي التي تقرر ما إذا كانت قد تَغيّرت حال الخليفة تَغيّراً يخرجه عن الخلافة أم لا، وهي وحدها التي لها صلاحية عزله أو إنذاره.
وذلك أن حدوث أي أمر مِن الأمور التي يُعزل فيها الخليفة، والتي يستحق فيها العزل، مَظْلِمَة من المظالم، فلا بد من إزالتها، وهي كذلك أمر مِن الأمور التي تحتاج إلى إثبات، فلا بدّ مِن إثباتها أمام قاضٍ. وبما أن محكمة المظالم هي التي تحكم بإزالة المظالم، وقاضيها هو صاحب الصلاحية في إثبات المَظْلِمَة والحكم بها، لذلك كانت محكمة المظالم هي التي تقرر ما إذا كانت قد حصلت حالة من الحالات السابقة أم لا، وهي التي تقرر عزل الخليفة. على أن الخليفة إذا حصلت له حالة من هذه الحالات، وخلع نفسه، فقد انتهى الأمر، وإذا رأى المسلمون أنه يجب أن يُخلع بحصول هذه الحالة، ونازعهم في ذلك، فإنه يُرجَع للفصل في ذلك إلى القضاء لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي تنازعتم أنتم وأُولوا الأمر، وهذا تنازع بين وليّ الأمر وبين الأُمة، ورده إلى الله والرسول هو رده إلى القضاء، أي إلى محكمة المظالم.
=================
الإسلام والديمقراطية
الشيخ فتحي منصور
قاضي المحكمة الشرعية - القدس
Sheikh Fathi Mansour,
Judge, Islamic Shari’a Court-
Jerusalem
إن فكرة الديمقراطية في وقتنا الحاضر تغزو العالم عبر مساحات واسعة من النشاطات الإعلامية والثقافية سواء على مستوى الندوات أو المحاضرات أو اللقاءات المرئية أو صفحات الجرائد وغيرها، أو عبر الحملات العسكرية لغزو البلدان العربية والإسلامية لنشر (الديمقراطية) في هذه البلاد وقمع الأنظمة (الديكتاتورية).
ولا شك أن في هذه الفكرة بريقاً قوياً خاصة بالنسبة للشعوب التي تعاني من القهر والاستبداد، وقد حول هذا البريق فكرة (الديمقراطية) من بُعد فكري ونظري لترتيب السياسة في المجتمع الى ممارسات عملية تتعلق بحريات أساسية منها حرية التعبير والتنقل والتنظيم وغيرها.