وصلاحياتها هي صلاحية السلطان، وبما أن الذي يتولى السلطان هو الخليفة، لذلك كان الخليفة هو الدولة.
على أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين أقام الدولة الإسلامية في المدينة كان هو المتولي للسلطان، فكانت جميع السلطة بيده، وكانت جميع الصلاحيات المتعلقة بالسلطان مملوكة له، وقد كان كذلك طوال أيام حياته، حتى التحق بالرفيق الأعلى. ثم جاء بعده الخلفاء الراشدون، فكان كل خليفة منهم يتولى جميع السلطة، ويملك جميع الصلاحيات المتعلقة بالسلطان. وهذا أيضاً دليل على أن الخليفة هو الدولة. وأيضاً فإن الرسول صلى الله عليه وسلم حين حَذّر من الخروج على الأمير عبَّر عنه بلفظ الخروج من السلطان، روى مسلم عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كره من أميره شيئاً فليصبر عليه فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية». والخلافة هي إمارة المؤمنين، فالخليفة هو السلطان، وله جميع صلاحيات السلطان، أي هو الدولة، وله جميع صلاحيات الدولة. هذا هو الدليل الإجمالي لهذه الصلاحيات. وأما ما ذكر في هذه الصلاحيات من تعداد لما يملك الخليفة من صلاحيات، فهو تعداد لواقع ما هو موجود في الدولة من صلاحيات، من أجل بيان الأحكام التفصيلية من هذه الصلاحيات.
وأما الأدلة التفصيلية للفقرات الست الواردة، فإن الفقرة (أ) دليلها إجماع الصحابة. وذلك أن القانون لفظ اصطلاحي ومعناه: الأمر الذي يصدره السلطان ليسير الناس عليه، وقد عُرّف القانون بأنه (مجموع القواعد التي يُجبر السلطان الناس على اتباعها في علاقاتهم) أي إذا أمر السلطان بأحكام معينة كانت هذه الأحكام قانوناً، يلزم الناس بها، وإن لم يأمر السلطان بها لا تكون قانوناً، فلا يلزم الناس بها. والمسلمون يسيرون على أحكام الشرع، فهم يسيرون على أوامر الله ونواهيه، وليس على أوامر السلطان ونواهيه. فما يسيرون عليه أحكام شرعية، وليست أوامر السلطان. غير أن هذه الأحكام الشرعية اختلف الصحابة فيها، ففهم بعضهم من النصوص الشرعية شيئاً غير ما كان يفهمه البعض الآخر، وكان كلٌّ يسير حسب فهمه، ويكون فهمه حكم الله في حقه، ولكن هناك أحكام شرعية تقتضي رعاية شُؤون الأُمة أن يسير المسلمون جميعاً على رأي واحد فيها، وأن لا يسير كل بحسب اجتهاده، وقد حصل ذلك بالفعل، فقد رأى أبو بكر أن يوزع المال بين المسلمين بالتساوي، لأنه حقهم جميعاً بالتساوي. ورأى عمر أنه لا يصح أن يُعطى مَنْ قَاتَل رسولَ الله كمن قاتل معه، وأن يُعطى الفقير كالغني، ولكن أبا بكر كان هو الخليفة، فأمر بالعمل برأيه، أي تبني توزيع المال بالتساوي، فاتبعه المسلمون في ذلك، وسار عليه القضاة والولاة، وخضع له عمر، وعمل برأي أبي بكر ونفّذه، ولما جاء عمر خليفة تبنى رأياً يخالف رأي أبي بكر، أي أمر برأيه بتوزيع المال بالتفاضل، لا بالتساوي، فَيُعطى حسب القدم والحاجة، فاتبعه المسلمون، وعمل به الولاة والقضاة، فكان إجماع الصحابة منعقداً على أن للإمام أن يتبنى أحكاماً معينة، ويأمر بالعمل بها، وعلى المسلمين طاعتها، ولو خالفت اجتهادهم، وترك العمل بآرائهم واجتهاداتهم. فكانت هذه الأحكام المتبناة هي القوانين. ومن هنا كان سَنّ القوانين للخليفة وحده، ولا يملك غَيرُه ذلك مطلقاً.