غير منبثق عن العقيدة الإسلامية، فضلاً عن مخالفته للمفاهيم المنبثقة عنها، ولا يجوز أن يكون لمفهوم القومية أي اعتبار، لأنه غير منبثق عن العقيدة الإسلامية، فضلاً عن أن المفاهيم المنبثقة عنها جاءت تذمه، وتنهى عنه، وتُبيّن خطره. ولا يصح أن يكون لمفهوم الوطنية أي وجود، لأنه غير منبثق عن هذه العقيدة، فضلاً عن أنه يخالف ما انبثق عنها من مفاهيم. وكذلك لا يوجد في أجهزة الدولة الإسلامية وزارات بالمفهوم (الديمقراطي)، ولا في حكمها أي مفهوم (إمبراطوري) أو ملكي أو جمهوري لأنها ليست منبثقة عن عقيدة الإسلام، وهي تخالف المفاهيم المنبثقة عنها. وأيضاً يُمنع منعاً باتاً أن تجري محاسبتها على أساس غير أساس العقيدة الإسلامية، لا من أفراد، ولا من حركات، ولا من تكتلات. ويمنع قيام حركات أو تكتلات أو أحزاب على أساس غير أساس العقيدة الإسلامية. فإن كون العقيدة الإسلامية أساس الدولة يحتم هذا كله، ويوجبه على الحاكم، وعلى الرعية التي تحكمها الدولة.
ووجوب كون العقيدة الإسلامية أساس الدولة الإسلامية يقتضي أن يكون دستورها وسائر قوانينها مأخوذةً من كتاب الله وسنة رسوله. وقد أمر الله السلطان والحاكم أن يحكم بما أنزل الله على رسوله، وجعل من يحكم بغير ما أنزل الله كافراً إن اعتقد به، أو اعتقد بعدم صلاحية ما أنزل الله على رسوله، وجعله عاصياً وفاسقاً وظالماً إن حكم به ولم يعتقده. وأَمْرُ الله السلطان والحاكم بالحكم بما أنزل الله ثابت في القرآن والسنّة. قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، وقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾، وقد حصر تشريع الدولة بما أنزل الله، وحذّر من الحكم بغير ما أنزل الله، أي الحكم بأحكام الكفر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾، وقال عليه الصلاة والسلام: «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رَدّ».
فهذا كله يدل على أن تشريعات الدولة كلها من دستور وقوانين محصورة بما انبثق عن العقيدة الإسلامية من أحكام شرعية، أي بما أنزله الله على رسوله من أحكام في الكتاب والسنة، وفيما أرشدا إليه من قياس وإجماع صحابة.
ثم إنه لما جاء خطاب الشارع متعلقاً بأفعال العباد، وملزماً الناس بالتقيّد به في جميع أعمالهم، كان تنظيم هذه الأعمال آتياً من الله سبحانه، وجاءت الشريعة الإسلامية متعلقة بجميع أفعال الناس، وجميع علاقاتهم، سواء أكانت هذه العلاقات مع الله أم مع أنفسهم أم مع غيرهم. ولهذا لا محلّ في الإسلام لسن قوانين للدولة من قبل الناس لتنظيم علاقاتهم، فهم مُقيدون بالأحكام الشرعية. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله فرض فرائض فلا تُضيعوها، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رخصة لكم ليس بنسيان فلا تبحثوا عنها»، وروى مسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ومن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ». فالله سبحانه وتعالى هو الذي شرع الأحكام، وليس السلطان، وهو الذي أجبر الناس، وأجبر السلطان على اتباعها في علاقاتهم وأعمالهم، وحصرهم بها، ومنعهم من اتباع غيرها.