العروض بنصف نقد ما يملك صاحب النقد، فتصبح الشركة بينهما شركة ملك، ثم يعقدان بينهما عقد شركة العنان، فيصبحان شريكين.
ولقائل أن يقول: كيف صحت شركة العنان مع أن قسماً من المال كان عروضاً، والجواب على ذلك أنها صحت في النقد أصالة وفي العروض تبعاً، ورب شيء لا يصح بالأصالة ولكنه يصح بالتبع، كبيع الشرب تبعاً للأرض.
حكم الشركة إذا كان رأس المال فلوساً:
الفلوس: جمع فلس وهو قطعة مضروبة من النحاس يتعامل بها الناس، ومثلها ما يتعامل الناس به الآن، من النقود المصنوعة من غير النحاس من المعادن كالنيكل.
ذهب أحد أصحاب أبي حنيفة إن الفلوس الرائجة يصح أن تكون رأس مال للشركة، لأن الفلوس تروج رواج الأثمان فالتحقت بالنقود، فكانت من الأثمان المطلقة، ويبنى على جعلها أثماناً مطلقة مسألتين:
إحداهما: أنها لا تتعين بالتعيين.
ثانيهما: أنه لا يصح بيع الفلس بفلسين بأعيانها.
حكم الشركة إذا كان رأس المال من المكيلات أو الموزونات أو العدديات المتقاربة:
المكيلات: كالبر والشعير والعدس وما أشبه ذلك.
والموزونات: كالنحاس والحديد والرصاص وما أشبه ذلك.
والمعدودات المتقاربة: كالبيض والجوز وما أشبه ذلك.
فهذه الأشياء هل يصح أن تكون رأس مال للشركة؟
لقد اتفق فقهاء الحنفية في أمور واختلفوا في أمور:
اتفقوا: 1 - على أنه لا تصح الشركة قبل خلط رأس المال بعضه مع بعض، لأنها إنما تتعين
بالتعيين إذا كانت عيناً فكانت كالعروض.
2 - على أنه لا تصح الشركة بعد الخلط إذا كانت الأموال من جنسين مختلفين كبر
وشعير مثلاً، لأن الحنطة إذا خلطت بالشعير خرجت من أن تكون ثمناً بدليل
أن مستهلكها يضمن قيمتها لا مثلها.
واختلفوا: فيما إذا كانت من جنس واحد وخلط بعضها ببعض، وذهبوا إلى رأيين:
فذهب الرأي الأول إلى أنها لا تصح، وإنما تصير بهذا الخلط شركة ملك، ووجه قوله هو أنه متمش مع الأصل الذي بنى عليه الحنفية من أن هذه الأشياء ليست أثماناً على كل حال، بل تكون تارة ثمناً وتارة مبيعاً وأنها تتعين بالتعيين فكانت كالعروض.
وذهب الرأي الثاني إلى أن الشركة تصح بعد الخلط وتكون شركة عقد، لأن هذه الأشياء ثمن من وجه حتى جاز البيع بها ديناً في الذمة، ومبيع من وجه من حيث إنها تتعين بالتعين فعمل بالشبهين بالإضافة إلى الحالين، الخلط وعدمه، فلشبهما بالمبيع قلنا لا تجوز الشركة فيها قبل الخلط ولشبهها بالثمن قلنا تجوز الشركة فيها بعد الخلط.
والرأي الأول أوجه، لأنها تتعين بالتعيين قبل الخلط وبعده.
وبعد فهل من ثمرة عملية تترتب على هذا الخلاف؟