إلا أن في هذا الربح نوع خبث إذا قضى الأصيل الدين عند أبي حنيفة وندب ردّه على المضمون عنه لو كان المقبوض مما يتعين، كالحنطة والشعير، وروي عنه أنه يتصدق به.
المبحث الثامن: في ضمان الدين الحالّ إلى أجل وضمان الدين المؤجل حاّلاً:
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا كان لرجل على غيره دين حاّل فضمنه عنه ضامن إلى أجل معلوم صح الضمان، وكان الدين معجلاً على المضمون عنه، ومؤجلاً على الضامن، لأن الضمان رفق ومعروف فكان على حسب الشرط.
وكذلك الحكم إذا كان الدين مؤجلاً إلى شهر فضمنه الضامن مؤجلاً إلى شهرين.
ودليلهم: ما روى ابن عباس أن رجلاً لزم غريماً له بعشرة دنانير، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما عندي شيء أعطيكه، فقال: والله لا أفارقك حتى تقضيني أو تأتيني بحميل، فجره إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كم تستنظره؟ قال: شهراً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنا أحمل، فجاء في الوقت الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: من أين أصبت هذا؟ قال: من معدن قال: لا خير فيها، وقضاها عنه. رواه ابن ماجه في سننه.
ولأنه ضمن مالاً بعقد مؤجلاً فكان مؤجلاً كالبيع.
هذا وقد ذكر ابن قدامة اعتراضاً على هذا القول ثم أجاب عنه، قال رحمه الله "فإن قيل فعندكم الدين الحاّل لا يتأجل، فكيف يتأجل على الضامن، أم كيف يثبت في ذمة الضامن على غير الوصف الذي يتصف به في ذمة المضمون عنه؟
قلنا: الحق يتأجل في ابتداء ثبوته إذا كان بعقد، وهذا ابتداء ثبوته في حق الضامن، فإنه لم يكن ثابتاً عليه حاّلاً، ويجوز أن يخالف ما في ذمة الضامن ما في ذمة المضمون عنه، بدليل ما لو مات المضمون عنهوالدين مؤجل، فإنه يصير حاّلاً بالنسبة إليه.
هذا ومذهب الحنفية في هذه المسألة أن يكون تأجيلاً في حقهما جميعاً لأن التأجيل في نفس العقد يجعل الأجل صفة للدين، والدين واحد، وهو على الأصيل فيصير مؤجلاً عليه ضرورة، بخلاف ما لو كان التأجيل بعد تمام العقد، لأنه التأجيل المتأخر عن العقد يؤخر المطالبة، وقد خصّ به الكفيل، فلا يتعدى إلى الأصيل.
المبحث التاسع: في موت الكفيل أو المكفول عنه والدين مؤجل:
ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة في إحدى روايتين، إلى أنه إذا كان الدين مؤجلاً في حق كل من الكفيل والمكفول عنه، ثم مات أحدهما تعجل الدين في حقه، فإن مات الأصيل قبل الأجل حلّ الدين في ماله، وهو على الكفيل إلى أجله، وكذا لو مات الكفيل دون الأصيل يحلّ الدين في مال الكفيل، وهو على الأصيل إلى أجله، لأن المبطل للأجل وجد في حق أحدهما دون الآخر.
ثم إن كان الميت هو الأصيل فللضامن أن يطالب صاحب الدين بأخذ الدين من تركته أو إبرائه هو، لأن التركة قد تهلك فلا يجد مرجعاً إلا الغرم.
وإن كان الميت الضامن، وأخذ صاحب الدين حقه من التركة، لم يكن للوارث الرجوع على المكفول عنه الآذن في الضمان قبل حلول الأجل.