وإذا قبض المكفول له حقه من الكفيل برئ المضمون عنه من الحق الذي عليه للمكفول له، لأنه استوفى حقه من الوثيقة فبرئ من عليه الدين، كما لو قضى الدين من ثمن الرهن.
بقي السؤال أنه إذا قضى الكفيل الدين فهل يرجع به على المكفول؟
للجواب عن هذا نقول: إنه لا يخلو الأمر من حالتين:
الحالة الأولى أن يكون الضمان بإذن المكفول، والثانية أن يكون بغير إذنه.
آ- فإن كان الضمان والكفالة بإذن المضمون عنه ففي هذه الحالة وجهان:
الوجه الأول: ذهب أبو حنيفة إذا كان القضاء بإذن من المكفول، ففي هذا يرجع الكفيل على المكفول، لأنه أذن له بالضمان والقضاء. واشترط أبو حنيفة في هذا أن يقول: اضمن عني أو أنفذ عني، وأما لو قال: اضمن هذا الدين، أو أنفذ هذا الدين ولم يقل عني لم يرجع عليه، إلا أن يكون بينهما خلطة مثل أن يودع أحدهما الآخر، أو يستقرض أحدهما من الآخر. أو يكون ذا قرابة أو مصاهرة. وقال بعض الحنفية يرجع، لأنه وجد القضاء بناء على الأمر، فلا بدّ من اعتبار الأمر فيه.
الوجه الثاني: ذهب المالكية والشافعية في الأصح والحنابلة إلى إنه إذا كان يضمن عنه بأمره، ويقضي عنه بغير أمره، إلى أنه يرجع عليه، لأنه أذن في سبب الأداء.
ب- وأما إذا كان الضمان بغير إذن من المضمون عنه فلا يخلو الأمر أيضاً من وجهين:
أحدهما: ذهب أبو حنيفة والشافعية إلى أنه إذا كان القضاء بغير إذن من المضمون عنه. فلا يرجع الضامن، لأنه متبرع بأدائه والمتبرع لا يرجع.
وذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه أنه يرجع بما أدى.
ووجه هذا القول أنه قضاء مبرئ من دين واجب، فكان من ضمان من هو عليه، كالحاكم إذا قضاه عنه عند امتناعه.
الثاني: أن يكون الضمان بغير إذنه والقضاء بإذنه.
ذهب الشافعية في الأصح عندهم أنه إذا ضمن بغير إذن وقضى بإذن، لا يرجع على المضمون عنه، لأن وجوب الأداء بسبب الضمان ولم يأذن فيه.
المبحث الخامس: براءة الكفيل وبراءة الأصيل:
آ- براءة الكفيل: إذا أبرأ صاحب الحق الكفيل من الدين فهل يبرأ الأصيل؟
ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن براءة الكفيل لا تقتضي براءة الأصيل، لأن إبراء الكفيل إسقاط وثيقة من غير قبض، فلم يبرأ به من عليه الدين كفسخ الرهن.
ب- براءة الأصيل: وأما إذا أبرئ الأصيل فقد برئت ذمة الضامن، لأنه تبع، ولأنه وثيقة، فإذا برئ الأصل زالت الوثيقة كالرهن، دون خلاف.
المبحث السادس: فيما يرجع به الكفيل على الأصيل إذا أدى عنه:
ذهب أبو حنيفة إلى أنه إذا أدى الكفيل عن الأصيل ما ضمنه عنه، وكان قد ضمن بأمره، رجع عليه بما أدى عنه، وأما إذا أدى خلافه بأن كان الدين المكفول به جيداً فأدى رديئاً أو بالعكس يرجع بالمال المكفول به لا بما أدى، لأنه ملك الدين بالوفاء، فنزل منزلة الطالب، كما إذا ملكه بالهبة أو بالإرث، بأن مات الطالب والكفيل وارثه، أو وهبه له حال حياته.