المبحث الرابع: المكفول به:
المكفول: هو ما وقع عليه الضمان من دين أو عين.
اشترط الشافعية فيه شروطاً:
الشرط الأول: أن يكون حقاً ثابتاً حال العقد، فلا يصح ضمان ما لم يجب، سواء أجرى سبب وجوبه كنفقة ما بعد اليوم للزوجة وخادمها، أم لم يجر كضمان ما سيقرضه لفلان، لأن الضمان وثيقة بالحق، فلا يسبقه كالشهادة. ويكفي في ثبوت الحق اعتراف الضامن لا ثبوته على المضمون عنه، فلو قال شخص: لزيد على عمرو مائة دينار، وأنا ضامنه فأنكر عمرو فلزيد مطالبة القائل في الأصح.
فائدة: واستثني من لزوم الحق على مذهب الشافعي ضمان الدرك بعد قبض الثمن- وهو أن يضمن للمشتري الثمن إذا خرج المبيع مستحقاً- واشترط أن يكون بعد قبض الثمن لأنه إنما يضمن ما دخل في يد البائع، ولا يدخل الثمن في ضمانه إلا بقبضه. وإنما أجازوه وإن لم يكن له حق ثابت، لأن الحاجة قد تدعو إلى معاملة الغريب، ويخاف أن يخرج ما يبيعه مستحقاً ولا يظفر به، فاحتيج إلى التوثق به، ويسمى ضمان الدرك أيضاً ضمان العهدة، لالتزام الضامن ما في عهدة البائع ردّه، والعهدة في الحقيقة عبارة عن الصك المكتوب فيه الثمن، ولكن الفقهاء يستعملونه في الثمن لأنه مكتوب في العهدة مجازاً تسمية للحال باسم المحل.
وذهب الحنابلة إلى جواز الكفالة فيما سيجب، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: "ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم" قالوا: وقد سلموا ضمان ما يلقيه في البحر قبل وجوبه بقوله: ألق متاعك في البحر وعليّ ضمانه.
الشرط الثاني: أن يكون الدين لازماً: أي مأمون السقوط بالفسخ أو الانفساخ، ولو كان اللزوم مآلاً، وذلك كمهر قبل دخول أو موت، وثمن مبيع قبل قبض ودين سلم. وعلى هذا يصح ضمان الثمن للبائع في زمن الخيار، إذا كان الخيار للمشتري وحده، لأنه حينئذ يملك البائع الثمن، فيصح ضمانه بخلاف ما إذا كان الخيار للبائع أولهما، فإنه لا يصح لأنه ليس مالكاً للثمن حتى يضمن له.
الشرط الثالث: أن يكون معلوماً، جنساً وقدراً وصفة وعيناً، وهذا في المذهب الجديد للشافعي، لأنه إثبات مال في الذمة لآدمي بعقد فأشبه البيع والإجارة، فلا يصح ضمان المجهول، ولا غير المعين، كضمنت أحد الدينين.
وفي القديم لا يشترط ذلك، لأن معرفته متيسرة-.
وذهب الحنفية والحنابلة إلى جواز ضمان المجهول لقول الله جلّ شأنه: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72]. أجاز الله تعالى عزّ شأنه الكفالة بحمل البعير مع أن الحمل يحتمل الزيادة والنقصان والله عزّ وجلّ أعلم.
الشرط الرابع: أن يكون الحق قابلاً للتبرع به، أي ينقل لغير من هو له بغير عوض، فلا تصح الكفالة بالقود وحدّ القذف وحق الشفعة.
المبحث الخامس: الصيغة:
أ- اللفظ الدال على الالتزام:
اشتراط الشافعية في الضمان والكفالة أن يكون هناك لفظ دال على الالتزام: