أما الانتفاع الذي فيه ضرر على المرتهن كلبس الثوب والسفر بالرهن، أو تأجيره ممن يسافر به فيمنع منه الراهن، لأن لبس الثوب يعرضه للتلف، ولأن في السفر خطراً محتملاً ولا ضرورة له.
لكن إن أذن المرتهن فيما منع منه الراهن جاز.
وذهب الحنفية إلى أنه ليس للراهن الانتفاع بالرهن مطلقاً بوجه من الوجوه، لا بلبس ولا ركوب ولا سكنى ولا غير ذلك، بل تعطل المنافع حتى يكون الوفاء.
ثانيهما: انتفاع المرتهن بالرهن:
اتفق الفقهاء على الأمور التالية:
1 - أن عين الرهن ومنافعه ملك للراهن.
2 - أن المرتهن لا يحلّ له أن ينتفع بشيء من الرهن إذا لم يأذن له المالك، إذا لم تكن العين المرهونة مركوباً أو محلوباً.
واختلفوا في أمرين:
الأول: في انتفاع المرتهن بالرهن إذا أذن الراهن.
الثاني: فيما إذا كان المرهون مركوباً أو محلوباً.
الأمر الأول: انتفاع المرتهن بالرهن إذا أذن الراهن:
ذهب الشافعية إلى أنه إذا شرط في العقد أن يكون الانتفاع بالمرهون للمرتهن فسد الشرط، وكذا فسد الرهن في الأظهر، لمخالفة الشرط مقتضى العقد.
وأما إذا لم يكن مشروطاً في العقد، فالظاهر جواز ذلك عندهم، لأن للمالك أن يتصرف في ملكه بما لا يضيع فيه حق الآخرين.
وذهب الحنابلة إلى أنه إن كان الانتفاع بغير عوض، وكان دين الرهن قرضاً لم يجز، لأنه يكون قرضاً يجر منفعة وذلك حرام، وإن كان الرهن بثمن مبيع أو أجر دار أو دين غير القرض جاز ذلك.
وأما إذا كان الانتفاع بعوض مثل إن استأجر المرتهن الدار من الراهن بأجرِة مثلها من غير محاباة جاز في القرض وغيره، لكونه ما انتفع بالقرض بل بالإجارة، وإن حاباه في ذلك فحكمه حكم الانتفاع بغير عوض، لا يجوز في القرض ويجوز في غيره.
وذهب الحنفية إلى ثلاثة أقوال مختلفة:
أحدها: أنه لا يحلّ انتفاع المرتهن بالرهن ولو أذن الراهن وعلل ذلك بأنه إذن له بالربا، لأنه يستوفي دينه كاملاً، فتبقى المنفعة فضلاً، فيكون ربا. ولعلَّ هذا القول محمول على الديانة لا الحكم.
ثانيها: أنه يجوز له الانتفاع بالرهن إذا أذن الراهن بذلك، سواء أكان الإذن في العقد أم كان خارجه، لأن الرهن يقتضي الحبس إلى أن يستوفي دينه دون الانتفاع، فلا يجوز له الانتفاع إلا بتسليط منه، وإن فعل كان متعدياً، ولا يبطل الرهن بالتعدي.
ثالثها: أنه يمنع الانتفاع المشروط في العقد، لأنه قرض جر منفعة فهو ربا، فإذا لم يكن مشروطاً فلا بأس، والغالب من أحوال الناس أنهم يريدون عند الدفع الانتفاع، ولولاه لما أعطاه الدراهم، وهذا بمنزلة الشرط، لأن المعروف كالمشروط وهو مما يعين المنع.