ولا يجوز للحاكم أن يقطع أحدًا إلا ما يقدر علي إحيائه، لأن في إقطاعه أكثر من ذلك تضييقًا علي المسلمين.
وإقطاع الأرض لا يعني تملكها، وإنما يعني أن لمن أقطعت له الحق في الانتفاع بها وإن شاء الإمام أن يستردها في أي وقت جاز له ذلك لمصلحة يراها.
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم علي تعمير الأراضي واستصلاحها، فقال:"من أحيا أرضًا ميتة فهي له" [البخاري]. وقال: "من أعمر أرضًا ليست لأحد فهو أحق بها" [البخاري وأحمد والبيهقي].
ويشترط لاستصلاح الأرض ما يأتي:
1 - أن تكون الأرض في بلاد المسلمين: فإن كانت بلاد غير المسلمين فلا يحق استصلاحها إلا بإذن أهل هذه البلاد.
2 - ألا تكون الأرض المراد إحياؤها ملكًا لأحد: مسلمًا كان أو غير مسلم، فإذا تبين له بعد ذلك ملكيتها لأحد من الناس، فعليه أن يطلب منه مقابل استصلاحها أو يشتريها من صاحبها.
3 - ألا تكون الأرض قريبة من العمران: فلا تكون مرفقًا من مرافقه. كالشوارع والحدائق والنوادي التي يجتمع فيها الناس وغير ذلك.
4 - أن يكون الاستصلاح بإذن الحاكم أو نائبه: اتفق الفقهاء علي أن الإحياء سبب الملكية، ولكنهم اختلفوا في اشتراط إذن الحاكم، وأكثر العلماء علي أن من أحيا أرضًا فهي له ولورثته من بعده، وعلي الحاكم أن يسلم بملكيتها له، ولا يجوز له انتزاعها منه أو التعدي عليها، وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه جابر بن عبد الله:"من أحيا أرضًا ميتة فهي له" [البخاري].
فإذا توفرت هذه الشروط كان للرجل أن يبدأ في استصلاح الأرض والانتفاع بها وبما حولها من المرافق التي يحتاج إليها.
ولا بد من توفر النية لاستصلاح الأرض الموات لدي الراغب في الاستصلاح، والنية لا تتأكد بمجرد أن يقوم بتنقية الأرض من العشب والحشائش مثلاً وإنما تتأكد بزراعة الأرض أو بالبناء عليها أو ما شابه ذلك. وإذا ترك المستصلح الأرض ثلاث سنوات دون استصلاح؛ انتزعت منه، فقد أعطي النبي صلى الله عليه وسلم لقوم من جهينة أو مزينة (قبيلتان) قطعة أرض، فلم يستصلحوها، فجاء قوم آخرون فاستصلحوها. فتخاصموا إلي عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال: لو كانت مني أو من أبي بكر لرددتها (أخذتها)، ولكنها قطيعة (عطية) رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: من كانت له أرض ثم تركها ثلاث سنين فلم يعمرها وعمرها قوم آخرون فهم أحق بها.
وإن كانت الأرض التي أخذها المستصلح كبيرة فلم يستطع استصلاحها كلها؛ أخذ منه ما لم يستطع استصلاحه، وترك له ما استصلحه. فقد روي عن بلال بن الحارث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطعه العقيق (وادي بالمدينة المنورة) أجمع، فلما كان زمان عمر بن الخطاب قال لبلال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقطعك؛ لتحتجزه عن الناس، إنما أقطعك لتعمل، فخذ منها ما قدرت علي عمارته، ورد الباقي. [البيهقي].