المصاحبة بالمعروف أن يكلفا بالسعي على العيش بعد أن تقدمت بهما السن وولدهما ينعم بالمال، بل هو إيذاء لهما، ولا يتفق مع قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 23 - 24].
ويشترط في الفرع الذي تجب عليه النفقة أن يكون قادراً على الكسب ولو لم يكن موسراً، فمتى كان الفرع عنده قدرة على الكسب والأصل فقير لا مال له وجبت النفقة على الفرع لأصله، وطولب بالسعي ليوفي بتلك النفقة، فإن امتنع عن العمل أجبر على ذلك، يستوي في ذلك اتفاقهما في الدين واختلافهما فيه، لأن نفقة الأصل وجبت على فرعه بحق الولادة التي تتحقق بها الجزئية بين الولد وأبيه.
وتجب على الفرع إذا كان واحداً، وعند التعدد تجب على الأقرب، فإن تعددوا وكانت درجتهم واحدة وجبت عليهم بالتساوي لا فرق بين الذكر والأنثى، ولا بين الموافق في الدين والمخالف فيه، ولا بين واسع اليسار وقليله.
فلو كان للأصل بنت وولد وجبت عليهما مناصفة على الرأي الراجح، لأن النفقة وجبت بسبب الجزئية وهما فيه سواء، ولو كان له ابنان أحدهما مسلم والآخر غير مسلم وجبت عليهما مناصفة وإن كان أحدهما وارث والآخر غير وارث.
وكذلك لو كان له ابن ابن وبنت وجبت عليهما بالتساوي.
وان اختلف درجاتهم كانت النفقة على الأقرب دون الأبعد وإن كان الميراث للأبعد، فمن له بنت بنت وابن وابن ابن كانت النفقة على بنت بنته وحدها، وكذلك لو كان له ابن غير مسلم وابن ابن مسلم وجبت النفقة على الأول لقرب درجته.
ومن هذا ترى أن مسلك الحنفية هنا سليم لا اضطراب في تطبيقه، لأنهم اعتبروا درجة القرابة وحدها دون اعتبار للإرث وعدمه، وهو الذي يتفق مع الأصل الذي يقوم عليه وجوب النفقة وهو الجزئية بينما اضطربوا هناك في نفقة الفروع على الأصول فاعتبروا مرة الإرث ومرة القرب فاضطرب التطبيق.
والمراد بالنفقة هنا الكفاية من الطعام والكسوة والسكنى، ولو احتاج الأصل إلى خادم لزم، وكذلك لو كان محتاجاً لزوجته، ولا يستطيع الاستغناء عنها لكبر سنه أو لعجزه بسبب المرض لزم ابنه نفقة الزوجة، لأنها من تمام النفقة سواء كانت الزوجة أماً للابن أو غير أمه.
أما إذا لم يكن الأب محتاجاً إليها ففي المذهب روايتان أرجحهما أنه لا تجب عليه نفقتها.
طريقة الإنفاق: إذا كان الولد الذي وجبت عليه النفقة موسراً له مال فائض عن حوائجه وجبت عليه النفقة لأبوية بالطريقة التي يختارها الأبوان، فإن طلبا أخذ نفقة ليعيشا وحدهما أجيبا إلى طلبهما، وكذلك إذا لم يكن له مال ولكنه يتكسب وكسبه يزيد عن حاجته بما يفي بحاجة والديه فإن امتنع أجبر على ذلك حتى لو كان الأب قادراً على الكسب وطرقه ميسرة له لما.
فإن كان ما يفضل عن حاجته لا يكفي إلا أحدهما فالأم أحق به من الأب إن لم تكن متزوجة بغير أبيه في قول عند الحنفية.