وكان شهاب الدين أحمد بحَّارًا ماهرًا، شديد الحرص والأخذ بالأسباب؛ فقد كان لا يطمئن قلبه قبل أن يفحص المركب بعد صنعها، وقبل أن تنزل البحر لضمان سلامة الركاب والأمتعة، ويتأكد من صلاحية أجهزة السفينة وأدوات الملاحة للعمل قبل أن يبحر، أما فوق ظهر السفينة، فقد كان ربانًا حكيمًا، لينًا في قوله، عادلا في حكمه، لا يظلم أحدًا، صبورًا ثابت القلب، دائم اليقظة قليل النوم.
وكان شهاب الدين أحمد بارعًا في علم الفلك، وكان له طريقة بسيطة في التعرف على اتجاه الريح؛ حيث ينصب على المركب عامودًا تعلق عليه قطعة من القماش المصنوع من الحرير ليعرف به اتجاه الريح، ولا ترجع شهرة شهاب الدين أحمد بن ماجد إلى كونه مَلاحًا قديرًا ولا إلى مؤلفاته في علوم البحار والملاحة فقط، وإنما اكتسب أيضًا شهرة دوليَّة حينما قاد سفينة الملاح البرتغالي (فاسكو دي جاما) من ميناء (ماليندي) في مملكة (كامبايا) (كينيا الآن) إلى الهند.
وقد ترك (ابن ماجد) مؤلفات كثيرة عن الملاحة بصفة عامة، والملاحة العربية بصفة خاصة، ووضع قواعدها، ووصف الطرق البحرية للملاحة، وتصل مؤلفاته إلى أربعين مؤلفًا من أهمها كتاب: (الفوائد في أصول علم البحر والقواعد) وهو كتاب يفيد الربان والبحارة في الوصول إلى البلد المطلوب دون ميل أو انحراف، كما تعرف به خطوط الطول والعرض، ومنها يمكن تحديد القبلة، وكتاب: (حاوية الاختصار في أصول علم البحار) .. وغيرهما من الكتب المهمة.
وكأن شهاب الدين أحمد بن ماجد ذلك البحار العظيم كان يعلم أن المؤرخين والأجيال القادمة بعده سيعرفون قدره، وما قدمه للملاحة العربية من خدمات جليلة فأخذ يقول:
فإن تجهلوا قدري حياتي فإنما سيأتي رجال بعدكم يعرفوا قدري وقد اعترفت حكومة البرتغال بفضل مساعدة ابن ماجد لفاسكو دي جاما حتى وصل إلى الهند من بلدة (ماليندي بكينيا) على الساحل الإفريقي؛ فأقامت له هناك نصبًا تذكاريًا يخلد هذه المناسبة، كما يحكي عن بحَّارة أهل عدن، أنهم كانوا إذا أرادوا السفر، قرءوا الفاتحة لابن ماجد؛ لأنه اخترع البوصلة المغناطيسية.
================
د. محمد عبد السلام
في قرية ريفية اسمها (جهانج) تقع في ولاية (البنجاب) التابعة لباكستان الآن، وفي
29 يناير سنة 1926م، ولد (محمد عبد السلام).
كان والده موظفًا صغيرًا في الجمعية الزراعية، لكنه لم يبخل بماله وجهده في تربية ولده، فاهتم اهتمامًا كبيرًا بمحمد أو (سلام) كما يحلو لزملائه من العلماء الغربيين أن يلقبوه، كان والده يتابعه في المدرسة، ويتصل بمدرسيه يطمئن على مستوى تحصيله الدراسي، بل إنه علَّمه اللغة الإنجليزية بنفسه، حين لم تنجح المدرسة في ذلك.
وكان والده حريصًا كل الحرص على تعليمه آداب الإسلام؛ فعلمه ألا يبدأ أي عمل إلا باسم الله، كما علمه أن يكرر دائمًا قوله تعالى: ﴿واحلل عقدة من لساني﴾ [طه: 72] لكي يصفو قلبه للعلم، وحرص في الوقت نفسه على نصحه لعمل الخير، ومواجهة الشر، والتخلق بأخلاق الإسلام، لذلك كله كان صلى الله عليه وسلم سلام) يعتز بوالده