المصري، لكنه يغض الطرف عن بعض مزايا الفرنسيين مثل حبهم للعلم والعمل واحترامهم للقانون.
وكتب (عبد الرحمن الجبرتي) عن المماليك وكيف أن بعضهم كانوا ينهبون ويقتلون ويخطفون الغلمان والنساء، ويسرقون الحلي من صدور النساء، كتب كل ذلك دون أن يجامل أحدًا منهم، بالرغم من أنه كانت تربطه بهم روابط صداقة، فلم يكن كتابه مجاملة لأمير أو طاعة لوزير، ومضى عهد الفرنسيين وتولى (محمد علي) أمور الدولة فكتب (الجبرتي) بكل جرأة عن الغلاء الفاحش في عهد (محمد علي) وعن مصادرة الأموال، وانتهاك الحرمات، والسطو على المتاجر والمصانع، كما ندَّد بالطغاة
أمثال: (سليمان أغا السلحدار) و (محمد الدفتردار) من أتباع الوالي، ومع ذلك لم يغفل ما قام به (محمد علي) من أعمال مفيدة كإنشاء المصانع وبناء السفن وتشجيع العلماء وسجل ذلك كله في كتابه (عجائب الآثار في التراجم والأخبار).
وانتشر ما كتبه الجبرتي عن هؤلاء الظلمة، على ألسنة الناس فتربصوا به، وحاولوا النيل منه، فقتلوا ابنه خليلاً في سنة 1237هـ، وتوقف بعدها الجبرتي عن الكتابة، وحزن على ابنه حزنًا شديدًا، حتى فقد بصره ومات عام 1241هـ/1825م
===========
ابن ماجد
جلس (شهاب الدين أحمد بن ماجد) يتأمل والده باهتمام بالغ وهو يحكي مغامراته في البحار، ويسرد العجائب التي رآها في رحلاته، فقد كان والده ربانًا (قائدًا للسفن) أطلق عليه البحارة (ربان البرَّيْن) أي بر العرب وبر العجم.
وما إن انتهى الوالد من حكاياته حتى قال (شهاب الدين أحمد): يا أبي إني أريد أن أكون معك في الرحلة القادمة، أريد أن أرى بلاد العجم، وأشاهد بعيني العجائب التي ترويها لنا، ابتسم الأب في وجه ابنه، ومسح رأسه بحنان ثم قال: عندما تكبر يا ولدي سوف أصحبك معي، ثم تركه وانشغل بترتيبات السفر والاستعداد للرحلة القادمة التي اقترب موعدها، وحان وقت الرحيل إلى بلاد الله الواسعة، ومضت السفينة ورفع البحَّارة الأشرعة، وظل شهاب الدين أحمد يلوح لأبيه مودعًا، حتى غابت السفينة عن الأنظار، ثم عاد حزينًا إلى بيته، لكنه تذكر أن والده قد وعده باصطحابه في الرحلة القادمة إذا أتقن القراءة والكتابة وأتم حفظ القرآن، وقرأ كل الكتب التي كتبها الأب عن رحلاته وكتب البحارة الآخرين؛ حتى يكون مهيئًا لركوب البحر، فأخذ شهاب الدين أحمد يحفظ القرآن الكريم ويتعلم الحساب، وجاء بكتاب من كتب والده واسمه (الأرجوزة الحجازية) التي تضم أكثر من ألف بيت في وصف الملاحة في البحر الأحمر، يقرؤه ويحفظ ما فيه.
وكبر شهاب الدين، وازداد خبرة وعلمًا في البحر وأسراره، حتى أصبح أشهر ربان في الخليج العربي، وأطلق عليه البحارة: (أسد البحار) ولم تشغله شهرته الواسعة ومهامه الكثيرة عن معرفة حق ربه، فكان يبدأ رحلاته دائمًا بالصلاة، ويدعو من معه إلى كثرة الذكر والتطهر وعدم التغافل عن آيات الله، فيقول: (وينبغي إذا ركبت البحر أن تلزم الطهارة، فإنك في السفينة ضيف من ضيوف الباري فلا تغفل عن ذكره).