اضطر إلى الخروج إلى (همدان) حيث قربه الأمير (شمس الدولة)؛ فأعطاه قصرًا وألح عليه ليكون كبيرًا لوزرائه، لكن (ابن سينا) لم ينشغل عن العلم لحظة، فكان ينظم ساعات يومه؛ في النهار يشغل نفسه بأمور الدولة، وفي الليل يكتب ويؤلف ويقرأ الكتب.
وكان ابن سينا دائمًا شارد الذهن، طويل التفكير، قلقًا مضطربًا، لانشغاله بقضية صعبة من القضايا الفلسفية أو العلمية التي تحير العقل وتشتت الذهن، طويل التفكير وكلما حدث له هذا، توضأ وخرج إلى المسجد؛ فيقضي نهاره في صلاة وعبادة وتضرع إلى الله، ثم يعود إلى داره بعد صلاة العشاء، فيشعل مصباحه ويراجع كتبه ويظل طوال الليل يفكر في الموضوع الذي يحيره، ومن شدة حرصه على إيجاد حل له كان يقرأ حتى يغلبه النوم.
ومما يدل على شدة حرصه على العلم ما حكاه عن نفسه من أنه قرأ كتابًا للفارابي فلم يفهمه، وذات يوم وهو في السوق عرض عليه أحد البائعين كتابًا، فلم يلتفت إليه، فلما ألح البائع عليه، وعرضه بثمن رخيص اشتراه؛ فإذا به شرح لكتاب الفارابي، فأسرع ابن سينا إلى داره، وأخذ يقرأ الشرح، حتى فهم كل ما فيه، وقال في ذلك: وفرحت بذلك وتصدقت في ثاني يوم بشيء كثير على الفقراء شكرًا لله تعالى.
لقد كانت حياة ابن سينا حافلة بالنشاط والعمل، حتى إنه ترك لنا الكثير من المؤلفات في الرياضيات والمنطق والطبيعة والإلهيات والفلك والطب والصيدلة والأخلاق والسياسة وغير ذلك من علوم كثيرة، ويعتبر كتابه (الشفاء) من أعظم الكتب في تاريخ الفلسفة؛ فقد درسها ابن سينا دراسة عميقة، وقرأ الكثير من كتب الفلاسفة القدماء من العرب والعجم، أما كتابه (القانون في الطب) فيعتبر من أعظم مؤلفاته على الإطلاق، وقد تناول فيه علم وظائف الأعضاء، وعلم الأمراض ومعالجتها وعلم الأدوية، كما بين فيه أخطاء الأطباء السابقين عليه من يونان وهنود .. وغيرهم.
وقد درس الأوربيون كتاب ابن سينا، وطوروا الطب من خلاله، ولشدة اهتمامهم بهذا الكتاب طبعوا منه ست عشرة طبعة في القرن الخامس عشر، ثم طبعوا منه عشرين طبعة في القرن السادس عشر، ثم تسعًا وثلاثين طبعة في النصف الأول من القرن السابع عشر، في الوقت الذي لم يطبعوا فيه من كتب (جالينوس) الطبيب اليوناني غير طبعة واحدة.
وبفضل جهود ابن سينا في مجال الطب، تقدمت تلك المهنة بسرعة كبيرة، وظهرت أجيال أخري من عباقرة الطب الإسلامي الذين طوروا الكثير من الأجهزة العلمية واكتشفوا الكثير من الأمراض مع بيان طرق علاجها والوقاية منها، ولابن سينا العديد من الاكتشافات، فقد اكتشف الديدان المعوية والدود المستدير (وهي ما نسميه الآن الإنكلستوما) وكان أول من نبه إلى أثر حالة المريض النفسية على جهازه الهضمي، وقرحة المعدة، والدورة الدموية وسرعة النبض، كما استطاع ابن سينا أن يصنف بدقة الأعضاء المختلفة لجسم الإنسان، كذلك سمى كل عضلة وعرق وعصب باسمه المشهور به، وابتكر عملية التخدير التي يجب أن تتم قبل إجراء أية عملية جراحية.