عقل عاقل أن يرتد عن الإسلام جيش الحجاج بكامله، فلا يوجد فيهم من يصيح في وجه الحجاج: ويلك يا عدوَّ الله؟ أم تراهم كانوا خانعين خاضعين أذلاء يضربون الكعبة التي يعظمونها ويصلّون إليها ولا يستطيعون أن يقولوا للحجاج: لا؟ أيصح هذا في عقل عاقل؟؟
سيقول قائل: ولكن المنجنيق قد نصب، والضرب قد حدث، فهل تنكرون ذلك؟؟
ونقول: فرقٌ كبير، وبونٌ شاسع بين أن يقال: نصبت المنجنيق لضرب ابن الزبير، وأن يقال: نصبت لضرب الكعبة. فرق كبير وبون شاسع بين أن يقال: ضرب الحجاج معسكر ابن الزبير بالمنجنيق، وأن يقال: ضرب الكعبة بالمنجنيق.
وشاهدٌ من مآسي عصرنا ..
في فجر اليوم الأول من المحرم سنة 1400هـ فوجئ المصلُّون بجماعة تبايع شخصًا بين الملتزم والحجر الأسود على أنه المهدي المنتظر، ورفعوا السلاح، وغلقت أبواب الحرم، ودوّى الرصاص في أرجائه، ونادى هؤلاء المعتصمون بالحرم كل الحكام والمسؤولين بالسمع والطاعة والبيعة لهذا (المهدي)!!!
وكان ما كان من حصار هؤلاء في داخل الحرم، واستخدام أفانين وضروب من الأسلحة لفك أسر الرهائن من المصلين والطائفين الذين أغلقوا عليهم أبواب الحرم أولاً، ثم لتطهير الحرم منهم ثانيًا.
كان ما كان مما تقشعر الأبدان لذكره!! فهل يقول قائل: إن الحكومة قصفت الحرم بالقنابل، وأحرقته بالغازات، وهدمته بالدبابات؟؟ حاشا لله!!
هذه حادثة عشناها، ورأيناها، وأحاط الجميع بها خبرًا، وهي تشبه واقعة ابن الزبير تمامًا، فكلاهما لاذ بالحرم، وكلاهما لقي مقاومة من السلطان حتى استسلم، وفي الحالين كانت دماء وقتلى في داخل الحرم، فلماذا موقف الحجاج وحده يفسَّر بأنه عدوان على الكعبة بالمنجنيق؟؟ ولماذا هذه البشاعة في تصوير موقف الحجاج؟ واتهامه بكائنةٍ لا تكون من مسلم يقول: لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، هل أدمنَّا جَلْد ماضينا؟ هل صار تشويه تاريخنا متعة لنا، وملهاة نتلهى بها عن واقعنا البئيس؟ ثم هل من حق من يتناول التاريخ في عمل أدبي أن يخترع أحداثًا لم تكن؟؟ (وللحديث بقية)
================
الخليل بن أحمد
(اللهم هب لي علمًا لم يسبقني إليه أحد) .. قالها وهو يتضرع إلى الله متعلقًا بأستار الكعبة، كان يرجو أن يسبق الناس بوضع علم جديد، فيكون سبَّاقًا إلى الخير، ولم يكن هذا الرجاء وليد تكاسل وتواكل، بل كانت قدراته ومهاراته تؤهله لأن يكون عظيم الشأن.
هو (الخليل بن أحمد الفراهيدي) الذي وُلِدَ في البصرة عام (100هـ) ونشأ عابدًا لله تعالى، مجتهدًا في طلب العلم، واسع المعرفة، شديد الذكاء، أدرك الخليل بفطرته السليمة أن الإسلام دين شامل لكل جوانب الحياة، فاجتهد في طلب العلم وأخلص في طلبه؛ فكان غيورًا على اللغة العربية (لغة القرآن)؛ مما دفعه إلى العمل على وضع قواعد مضبوطة للغة، حتى عدَّه العلماء الواضع الحقيقي لعلم النحو في صورته