تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والنجوم وأخذ كل يوم يكتشف الجديد في علم الفلك، وتغيرت الأحوال عندما رحلت العائلة المالكة في خوارزم والتي كانت عونًا له وسندًا، بعد أن جاءت العائلة المالكة الجديدة عائلة (مأمون بن محمد) فكان عليه أن يرحل هو الآخر من (خوارزم) فرحل عنها وظل يتنقل من بلد إلى بلد، وإذا سمع بعالم رحل إليه وأخذ العلم عنه.

وأخذ يكتب في أوراقه كل ملاحظاته عن المد والجزر في البحار، وعن حركات النجوم والأفلاك وغيرها مما يتعلق بعلم الطبيعة، وكان الملوك والأمراء يتنافسون في إكرام العلماء، ومن بينهم أمير (جرجان وطبرستان) (شمس المعالي قابوس) ذلك الأمير الذي شغله العلم، وامتلأ قصره بالعلماء، ولما علم ذلك الأمير بقصة أبي الريحان وكثرة ترحاله، شمله بعطفه ورعايته وأعطاه الأموال الكثيرة، حتى تفرغ للعلم واستطاع أن يكتب كتابه الشهير (الآثار الباقية عن القرون الخالية) وقدم هذا الكتاب هدية إلى الأمير (قابوس) سنة 390هـ.

وكان أبو الريحان البيروني على اتصال بابن سينا الذي كان من أشهر علماء عصره وكثرت الرسائل بينهما في خدمة العلم، فأعجب به ابن سينا إعجابًا شديدًا واستمرت رسائلهما حوالي خمس سنوات يتبادلان الرأي حول قضايا علمية كثيرة، ولمَّا عُزِلَ قابوس عن الإمارة سنة 400هـ/1009م لم يجد أبو الريحان البيروني إلا أن يعود إلى بلده (خوارزم) مرة أخرى.

وفي جرجان عاصمة الدولة الخوارزمية، لقى أبو الريحان كل التقدير من أمير البلاد أبو العباس مأمون بن مأمون، وأتيحت له الفرصة لأن يجتمع بكبار العلماء مثل ابن سينا وغيره، وبدأ العالم الكبير (أبو الريحان البيروني) في إجراء بحوثه ودراساته الفلكية والجغرافية، وشرع هو وتلاميذه في إنشاء مرصد في القصر الملكي لرصد حركة الشمس والقمر والنجوم.

وفي حديقة القصر بنى نصف كرة من الحجارة والطين قطرها أربعة أمتار تقريبًا ووضع عليها صور البلدان كما تخيلها، ورسم على تلك البلدان خطوط الطول والعرض، كما اشتغل مع علماء المجمع في حساب مساحة الكرة الأرضية، لكن الحياة لا تستقر على حال، فقد قتل الأمير عاشق العلم، واستولي السلطان محمود الغزنوي على البلاد سنة 407هـ/1016م، فأخذ كل الذخائر العلمية التي تضمها مكتبة القصر، كما اصطحب معه العلماء، وكان من بينهم أبو الريحان البيروني، حيث استقر في القصر الملكي بغزنة (أفغانستان حاليًّا).

وفي قصر السلطان (محمود الغزنوي) التقى البيروني بعدد من الفلاسفة والأدباء المشهورين، وأتيحت له الفرصة أن يشهد غزوات السلطان التي قادها، وصحبه في أكثر من ثلاث عشرة غزوة، وكانت إقامة البيروني بغزنة من العوامل التي ساعدته على القيام بعدة رحلات علمية إلى الهند، وكان قصده من ذلك القيام بدراسة علمية دقيقة على الطبيعة لأحوال هذه البلاد، من حيث تاريخها وثقافتها وأديانها، ورأى البيروني أن الفرصة لن تتهيأ له إلا إذا درس اللغة السنسيكريتية (لغة الهند)؛ ففتحت له هذه الدراسة أبواب الثقافة الهندية من جميع نواحيها العلمية والدينية، ووضع كتابًا مهمًّا عن حضارة الهند وتاريخها، أسماه (تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٨٦