أو ليسوا هم الذين يقولون إنه بمجرد اكتشاف الزراعة جنح الناس إلى الملكية الفردية، وظهر الطمع والجشع واختلف وضع الناس في المجتمع، وانتهت المساواة والتعاون والود والإخاء وحل محلها الصراع؟!
أي بمجرد ظهور شئ يمكن امتلاكه!
فما الذي تغير في طبائع البشر حتى يجئ عليه م يوم لا حكومة فيه ولا رقابة، ثم يبذل كل منهم طاقته – حبا في الحق والعدل فقط، أو حبا في الإنسانية، أو حبا في أي قيمة من القيم العلى ا (التي لا وجود لها في ذاتها كما يقولون!) – ثم يأخذ فقط بقدر حاجته، ويقدر هذه الحاجة بلا طمع ولا جشع ولا إسراف؟!
إن المثإلى ين الذين ينعي الشيوعيون عليه م عدم واقعيتهم لم يبلغوا هذا الحد من الإسراف في الخيال!
ولقد وصل أفراد من البشر إلى هذا المستوى بالفعل مرة واحدة في التاريخ، على عهد رسول الإسلام صلي الله عليه وسلم، فكان كل إنسان منهم يبذل أقصى ما في طاقته من الجهد ابتغاء مرضاة الله فحسب، ثم لا يجد في نفسه حاجة مما أوتي ويؤثر أخاه على نفسه:
﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)﴾ [سورة البقرة 2/ 207]
﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ على أنفسهم وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [سورة الحشر 59/ 9]
ولسنا نقول إن هذه الصورة حدثت مرة واحدة وهي غير قابلة للتكرار في أي جيل قادم من أجيال البشرية، ولكنا نقول أولا إن هذا – بالتجربة – لم يحدث إلا ابتغاء مرضاة الله -، ولا يمكن لأي قيمة أخرى من القيم – غير الإيمان الصدق بالله – أن ترفع الانسان إلى هذه الصورة الرفيعة الشفيفة العإلى ة، ونقول ثانيا إنه ليس كل الناس يرتفعون إي هذا المستوى السامق الرفيع. فقد كان إلى جوار هؤلاء – في نفس الجيل ونفس الظروف – من قال فيهم رب العالمين:
﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ﴾ [سورة محمد 47/ 38]
والإسلام في واقعيته لا يفترض أن كل الناس يصلون إلى القمة، وإن كان يدعو كل الناس أن يحاولوا الصعود إليها، ثم يرضي منهم بما يصلون إلى ه في محاولتهم ماداموا لا يهبطون عن المستوى الذي حرم الله الهبوط عنه، أو ماداموا لا يصرون على الهبوط إذا غلبتهم مرة دوافع الشر رغم المجاهدة والتطلع إلى الخير:
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [سورة الأنعام 6/ 132]
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أنفسهم ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا على مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136)﴾ [سورة آل 3/ 135 - 136]
أما حلم الملائكية العامة الشاملة التي ستعم البشرية كلها ذات يوم، ودون أي احتى اط لإمكان الهبوط من أحد الناس أو كل الناس (بإلغاء الحكومة التي يمكن أن تردع الهابطين) فحلم أقل ما يقال فيها إنه ما وضع إلا للتخدير ليرضي الناس بالحرمان