وسبيله إلى هذه النقلة الضخمة التي يتشهاها كل طامح إلى الوجود لا يخرج عن امر من ثلاثة أمور، أشرفها جميعا – وأندرها – القيام بعمل غير عادى في خدمة " الوطن " أما السبيل الميسرة والمعتادة فهي الملق للحزب وللدولة وللزعيم ن والظهور بمظهر التفانى في حبهم جميعا! أو التطوع بالجاسوسية وإلقاء الشبه على الأبرياء تقرباب للسطان وإظهار للولاء!
أما دكتاتورية البروليتاريا فهي شئ بشع إلى أقصى درجات البشاعة التي يتخيلها الخيال. وبالرغم من كل المبررات التي تساق لتبرير النظام البوليسى القائم على الحديد والنار والتجسس فستبقى حقيقة واحدة لا سبيل إلى محوها ولا إنكارها، أن الدكتاتورية القائمة ليست – كما زعموا – دكتاتورية البروليتاريا، إنما هي الدكتاتورية الواقعة على البروليتاريا.
إنه حجم الشعب الروسى – على وجه التقريب – هو مائتان وخمسون مليونا من البشر والحزب الشيوعى يكون منه ستة ملايين، ستة ملايين من المحظوظين – على درجات مختلفة من الحظ في وسط هذا الخضم الهائل من القطع الآدمية التي لا وزن لها ولا كيان. عملها أن تنتج كالآلة ثم تغرق في حماة الجنس كالحيوان، وليس لها بين هذا وذاك قلوب ولا مشاعر ولا وجود.
في الوضع السياسى هم أولئك الأصفار الذين لا يقدمون ولا يؤخرون ولا يقام لهم وزن. ولا عبرة بمسرحية الانتخابات ولا بقول الشيوعيين عن أنفسهم إنهم هم " الديمقراطية " الحقيقية!
ولسنا ندافع عن المسرحية الأخرى القائمة في الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية، فقد سبق أن عرضناها على حقيقتها، ولكنها تحمل على الأقل تقدير " مظهر " الحرية و " مظهر " الاختيار، وإن كانت الغالبية العظمى ممن يصلون إلى المجالس النيابية هم – كما بينا – أدوات الرأسمالية الحاكمة، ولا تستطيع هذه المجالس، مهما قيل فيها من " كلام " أن تتخذ قرارا ضد المصالح الحقيقية للرأسمالي ة الحاكمة.
أما حين يكون الناس كلهم حزبا واحدا – بأمر الدولة – هو حزب الدولة، فإن المسرية تفقد حتى ذلك المظهر المزيف، وتصبح سخرية ضخمة لا متعة فيها على الإطلاق!
ما الفرق بين أن تنتخب هذا الصفر أ هذا الصفر أو ذاك الصفر، إذا كانوا كلهم أصفارا من جهة، وكلهم يمثلون وجهة نظر واحدة من جهة أخرى، وكلهم لا يملكون الكلام إلا بإذن الدولة وبالقدر الذي تأذن به الدولة من جهة ثالثة؟!
إن المسرحية كلها واحدة .. نعم! ولكنك ربما تكون على استعداد لمشاهدة المسرحية والتلهي بها حين يكون الممثلون يؤدون دورهم المرسوم لهم وكأنهم يؤدونه من عند أنفسهم، أما حين تسمع صوت الملقن واضحا يملى على المثل أقواله وأفعاله فلا شك أن المسرحية تكون في حسك سمجة وغير مستساغة، وإن كتب عنها في لوحة الإعلان أنها مسرحية الديمقراطية الحقيقة!
وفي الوضع الاقتصادى هم أولئك الكادحون .. كانوا ومازالو .. الذين يقومون بأشق الجهد وينالون أقل الجزاء، ويستمتع غيرهم " بفائق القيمة " لأنهم أصحاب نفوذ