تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العبرة بوجود الملكية الفردية أو عدم وجودها، فلم يكن منشأة الطبقية في المجتمعات الطبقية هو مجرد وجود الملكية الفردية كما زعم التفسير الجاهلى للتاريخ، إنما كان ما يترتب على الملكية من سلطان ونفوذ، انطلاقا من مبدأ أن الذي يملك هو الذي يحكم، أى أن الطبقية في الواقع – وإن نبعت في المجتمعات الجاهلية من الملكية الفردية كما يقول التفسير المادى – إنما هي طبقية السلطان والنفوذ، التي تنبع من قدرة هذه الطبقة على التشريع لحساب نفسها وإلزام الأخرى ن بالخضوع لهذا التشريع.

وقد ألغيت الملكية الفردية من المجتمع الشيوعى، ولكن السلطان والنفوذ الذي تركز في " الحزب " قد جعل منه طبقة متميزة، لها كل سمات الطبقة ومميزاتها سواء في نوع المعيشة – أى المتاع – أو في النفوذ والسلطان.

فمع أن العنوان العام في الشيوعية أنه لا أحد يملك شيئا ملكية فردية فإن هناك فارقا – لا شك – بين أن تكون أنت وأفراد أسرتك جميعا تسكنون في غرفة واحدة في مسكن شعبى بدورات مياه مشتركة (وغالبا ما تكون بلا أبواب!) وبين أن تكون ساكنا في " فيلا " خاصة أو في شقة كاملة في عمارة، حتى ولو كنت غير مالك للشقة أو ما في داخلها من الأثاث ملكية فردية!

هناك فارق في نوع المتاع ودرجته، وفارق في مشاعرك حين تكون هنا وحين تكون هناك.

ولست أناقش هنا شرعية هذا المتاع أو عدم شرعيته، إنما أقول فقط إنه في النظرية الشيوعية غير جائز وغير شرعى، أما في التطبيق فهو موجود، ويتسع الفارق كلما صعد الإنسان الدرجات، في " الحزب " حتى يصبح عضوا في اللجنة التنفيذية العلى ا أو من الأعضاء البارزين في الحزب، فينقلب نعيمه ترفا ما كان يحلمن به بعض القياصرة في زمانهم! والشعب في " أكواخه " العصرية، الأسرة كلها في غرفة واحدة تجمع الأم والأب والأطفال بنين وبنات ما ودون سن التكليف، وتجرى فيها العلاقات الزوجية بين الأم والأب – بححم الأمر الواقع – في حضرة البنين والبنات، البالغين وغير البالغين!

وليس فارق المتاع على أى حال هو الفارق الأهم أو الفارق الوحيد، إنما المهم فارق السلطان.

إن مجرد انتقال الإنسان من كونه فردا من أفراد الشعب إلى كونه عضوا في الحزب، ينتقله من " شئ: لا وجود له إلى شئ آخر له وجود ملموس، سواء في نظر نفسه أو في نظر المجتمع من حوله، لأنه ينقله من طبقة المحكومين إلى طبقة الحكام الذين يسيطرون على كل شئ في المجتمع الشيوعى،، حتى لو كان هو في أسفل طبقة أولئك الحكام.

إن تركيز النفوذ في " الحزب " و " الدولة " و " الزعيم " هو الذي ينشئ ذلك الفارق الضخم بين " اللاشيئية " و " الشيئية " في المجتمع الشيوعى .. ولذلك يصبح أكبر مطمح للفرد العادى في المجتمع الشيوعى أن يضع قدمه – مجرد وضع – ولو على أدنى درجة من درجات ذلك البناء الشاهق الذي يمثل السلطان، فيتغير وجوده كله، بل يصبح في الحقيقة موجودا بعد أن لم يكن له وجود.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٥٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٥٧٢