فأما الكيان الثابت فمصدره الفطرة، وأما الصور المتغيرة فمصدرها التفاعل الدائم بين هذه الفطرة وبين الكون المادى، ومحاولة الإنسان الدائبة تحقيق التسخير الربانى لما في السموات والأرض من اجل الإنسان.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ [سورة الجاثية 45/ 13]
والفطرة البشرية ذات مرونة تسمح لها بالتشكل المستمر، بما يناسب القدر الذي يتم تسخيره من طاقات السماوات والأرض، ولكن هذه المرونة – مزية ميز الله بها الإنسان ليعينه على دور الخلافة في الأرض – ليس معناها انعدام الشخصية الإنسانية، أو السلبية الكاملة، أو عدم وجود كيان محدد للإنسان، إنما معناها فقط عمق هذه الشخصية وسعتها وتعدد جوانبها، بحيث تستطيع أن تستوعب أشكالا متعددة من الحياة، وتبذل ألوانا متعددة من النشاط.
وحقيقة إن هذه المرونة تجعل الإنسان يحتمل كثيرا من الضغوط، ويتشكل تحتها بصور تخالف ما هو مفروض أن يكون عليه في حالته السوية، مما يغرى الطغاة على طول التاريخ البشرى أن يضغطوا على شعوبهم ويستعبدوهم، ولكن هذا ليس معناه عدم وجود حدود حاسمة للكيان البشرى يقف عندها في تشكله. أو في خضوعه للضغوط الواقعة عليه، فإنه في النهاية يثور ..
ومعنى ثورته أن احتماله للتشكل الخاطئ الذي فرض عليه بالضغط قد انتهي، وأنه يرى د أن يصحح وضعه بما يناسب كيانه الطبيعى. وسواء نجحت الثورة أو فشلت فدلالتها ثابتة في الحالين .. والنجاح والفشل مسألة ظروف مواتية أو غيره مواتية، ومسألة إعداد وتنظيم أو فوضى وارتجال. أما الثورة فمعناها أن شيئا مخالفا لطبيعة الإنسان قد فرض عليه بالقوة، وهو يرى د أن يرده عنه ليعود إلى وضعه الطبيعى.
وفي التاريخ البشرى ثورات كثيرة فاشلة وناجحة هي محاولات دائمة لدفع ضغوط مفروضة وتصحيح أوضاع خاطئة .. وكل ثورة تحدث " شيئا ما " في حياة البشرية يغير خطاها إلى خط جديد .. ولكن تظل البشرية تتخبط مادامت بعيدة عن المنهج الربانى، فتحل مشكلة بمشكلة جديدة، وتتخلص من ضغط لتقع في ضغط من نوع آخر، كما خرجت من الرق إلى الإقطاع، ومن الإقطاع إلى الرأسمالية، ومن الرأسمالية إلى الشيوعية، ولا سبيا لها إلى التصحيح الحقيقى لأوضاعها إلا بالدخول في المنهج الربانى، الملائم للفطرة السوية، المنزل من عند خالق هذه الفطرة، العلى م بما يصلحها وما يصلح لها، وهو منهج ثابت القيم والأركان كثبوت هذه الفطرة، ويسمح في الوقت ذاته بتغير الصورة على الدوام بما يلائم النمو الدائم للحياة البشرية. ولكنه لا يسمح بالصورة المنحرفة لأنها تمرض الفطرة، وتؤدى إلى الفساد في الأرض، ومن أجل ذلك يجعل القواعد الثابتة هي التي تحكم المتغيرات، ولا يسمح للمتغيرات بتغيير القواعد الثابتة.
ولا تزال البشرية تهتدى فتستقيم حياتها، وتضل فتصيبها السنة الربانية التي تترتب على الضلال. ولكن لا توجد حتمية واحدة للهدى ولا حتمية واحدة للضلال. إنما الإنسان هو الذي يقرر لنفسه:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾ [سورة الشمس 91/ 7 - 10]