تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾ [سورة العصر 103/ 1 - 3]

تلك لمحة سريعة عن التفسير الإسلامى للتاريخ في مواجهة التفسير الجاهلى قد لا تون، كافية لإبراز ملامحه .. ولكنها تكفي على أى حال لرؤية الهوة العميقة التي يضع التفسير المادى فيها الإنسان.

ثانيا: المذهب الاقتصادى بين النظرية والتطبيق

أشرنا في التمهيد إلى أن الشيوعية ليست مذهبا اقتصاديا بحتا كما يجرى الحديث عنها أحيانا، ولكنها تصور شامل للكون والحياة والإنسان ولقضية الألوهية كذلك، وتفسير شامل لذلك كله على أساس مادى.

بعبارة أخرى فإن المادية الجدلية والتفسير المادى للتاريخ جزء من " النظرية " الشيوعية لا ينفصل عنها. ولذلك لم يكتف ماركس أو إنجلز أو غيرهما من الكتاب الشيوعيين بأن يتحدثوا عن الشيوعية كمذهب اقتصادى، إنما جعلوا حولها هذه الفلسفة الشاملة لتفسرها – أو لتبررها – سيان.

وهذا الذي صنعه ماركس وإنجلز والمفسرون الشيوعيون هو الأمر الطبيعى، الذي يتجافاه أو يتجاهله الذين يتحدثون عن الشيوعية كمذهب اقتصادى بحت. ذلك أنه لا يوجد مذهب اقتصادى مجرد، ليس له ارتباط بتصور شامل عن الكون والحياة والإنسان وقضية الألوهية!

ورغم أننا لا نوافقهم في زعمهم أن الأوضاع الاقتصادية والمادية هي الأصل الدائم الذي تنبثق منه الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية، والفنية .. الخ، فإننا نرى – كما أشرنا من قبل – أن هناك ارتباطا بين هذه الأمور كلها، لأنها أوجه مختلفة لقضية واحدة، أو لموقف معين من قضايا الألوهية والكون والحياة والإنسان.

وسواء أخذنا بوجهة النظر هذه أو تلك فإن النظرية الاقتصادية لا يمكن أن تقف وحدها مجردة عن فلسفة شاملة تربطها بالقضايا الأخرى كلها، سواء كانت هذه النظرية شيوعية أو رأسمالي ة أو إسلامية.

فكلتاهما فلسفة مادية حيوانية لا ترتفع بالإنسان عن مستوى المادة أو مستوى الحيوان، وتعتبر الوضع المادى والاقتصادى هو الأصل الذي يشكل الحياة. وكلتاهما تبعد المنهج الربانى كلية عن أن يحكم الحياة أو يسيطر عليه ا. تبيح الفساد الخلقى وتسمح له أن يستشرى في الأرض!

ولكنا سنجد – على الأقل – فرقا في الدرجة بين هذه وتلك!

فالشيوعية أشد إمعانا في إبعاد المنهج الربانى إلى حد النص الرسمى على الإلحاد في صلب الدستور: لا إله. والكون مادة " وأشد إبعادا للإنسان عن إنسانيته، باعتبارها إياه مادة خالصة، لا خليطا من المادية والحيوانية كما تصنع الرأسمالية.

إن الفارق الوحيد – الذي يرونه جوهريا ولا نراه كذلك – هو في " من يملك " وهو فارق في " الفشرة " الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية أكثر مما هو فارق في الأصل الذي تعطيه هذه الفشرة. لأن النزاع انحصر كما هو ظاهر في " من يملك " ولم يتجاوزه إلى النظر في المالكين أنفسهم، ونظرتهم إلى الكون والحياة

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٥٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٥٦٠