يعيشون بعض جوانب حياتهم على تراثهم الذي " ورثوه " وبعض جوانبها الأخرى من الجاهلية المعاصرة، في القيم والأفكار والمشاعر وأنماط السلوك .. وهو وضع شأن في حياة المسلمين وفي حياة البشرية كذلك.
وتختلف صورة الكيان الاقتصادى باختلاف مدى التقدم العلمى والالمادى للجماعة البشرية، فينتقل من اقتصاد رعوى إلى زراعى إلى صناعى .. إلخ. ز ولكن العبرة لا تكون بمقدار التغير في " الصورة " إنما العبرة " بالموقف " الذي تنبثق منه الصور جميعا وتجسده .. وهو لا يخرج عن أحد موقفين: إما موقف إيمانى قائم على المنهج الربانى، وإما موقف جاهلى مجاف للمنهج الربانى، أى أن العبرة ليست بكون المجتمع رعويا أم زراعيا أم صناعيا، إنما العبرة في كونه رعويا جاهليا، وزراعيا مؤمنا أم زراعيا جاهليا، وصناعيا مؤمنا أم صناعيا جاهليا .. وهذا هو الذي يحدد مركزه في التاريخ الأرض فضلا عن مركزه أفراده في اليوم الآخر "
وعلى ذلك فإن القيم في المنهج الربانى لا تتغير مع تغير الصورة، فيظل المجتمع المسلم – في جميع أطواره الاقتصادية – عابدا لله، بمعنى الاعتقاد الصحيح في الله، وأداء الشعائر التعبدية لله ن وتحكيم شريعة الله. ويظل متمسكا بأخلاقيات لا إله إلا الله سواء في علاقات الجنس، أو علاقات المال، أو علاقات الولاء والسلم والحرب .. الخ، أى ملتزما بالحلال والحرام وبسائر ما أنزل الله.
أما في " الموقف " الآخر غير الإيمانى فلا معيار لشئ، لأن القيم ذاتها غير قائمة على أساس واضح .. ولهذا يعبث بها من أراد أن يعبث كما عبث اليهود بكل القيم في المجتمع الغربى مع الثورة الصناعية وزعموا أن عبثهم ذلك حتمية وقانون!
وصحيح أن هناك سمات مشتركة تصنعها " البيئة " في المجتمع الرعوى أو الزراعى أو الصناعى قد يتشابه فيها المؤمنون وغير المؤمنين. ولكن هذا الشبة العارض لا يجوز أن ينسينا أن الذي يحدد المركز الحقيقى للإنسان في الدنيا أو الآخرة هو " الموقف " الذي يتخذه، وليست المظاهر الثانوية التي قد تتوافق أو تتعارض بغير تأثير حاسم في حياة الناس.
وتقوم في حياة الناس على الأرض صراعات متعددة. .
فأما في المجتمع الإيمانى فالصراع هو دائما الصراع بين الحق والباطل يأخذ صورا شتى.
صورة منه هي القتال ضد النظم والحكومات والجيوش الكافرة لإزالتها من طريق الدعوة، باعتبار أن وجودها ذاته عائق واقعى يمنع الناس من الاستجابة اليد عوة الحق .. فأما إذا أزيلت فلا إكراه على اعتناق العقيدة الإسلامية، ولكن تحكم شريعة الله ليستظل بعدالتها الناس جميعا ولو لم يدخلوا في العقيدة الصحيحة.
وصورة منه هي مجاهدة عوامل الانحراف في المجتمع الإسلامى ذاته، عن طريق الأمر بالمعروفة والنهي عن المنكر.
وصورة منه هي مجاهدة النفس الأمارة بالسوء، اللاصقة بالشهوات، حتى تصير إلى النفس اللوامة التي أقسم بها الخالق جل جلاله، لأنها تنهي النفس عن الهوى.
﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)﴾ [سورة القيامة 75/ 1 - 2]