بينما يحدث كثيرا أن يكون قوم في قمة العمارة المادية للأرض ولكنهم فارغون من القيم العلى ا، فتزداد حياتهم خللا وانحدارا كلما أوغلوا في العمارة المادية، كما هو حادث في الجاهلية المعاصرة.
ومن ثم لا يصلح التقدم المادى – وحده – معيارا من معايير التاريخ.
حقيقة إنه جزء من مهمة " الخلافة " التي خلق الله الإنسان ليقوم بها في الأرض، بحيث يكون الإنسان المتقاعس في هذا الجانب – ع القدرة عليه – مقصرا في أداء جزء من مهمته، ولكن العبرة ليست في مجرد أداء هذه المهمة، إنما في الطريقة التي تؤدى بها، هل هي متفقة مع المنهج الربانى، أى متقيدة بالحلال والحرام، ونظافة المشاعر ونظافة السلوك، والأمانة والعدل، وسائر القيم العلى ا التي تكون الجوهر الحقيقى لإنسانية الإنسان، أم غير متفقة مع ذلك المنهج، أى غير متقيدة بالحلال والحرام والنظافة الحسية والمعنوية والأمانة والعدل .. أى غير محققة لإنسانية الإنسان.
فالتقدم العلمى والتكنولوجى ضرورى لعمارة الأرض، ومن ثم فهو واجب على أى مجموعة من البشر يضمها تجمع معين. ولكن لابد له من شروط يقوم عليه ا، وإلا فقد كثيرا من اعتباره وتحول إلى أداة سلبية تدفع الإنسان إلى الدمار!
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أنفسهم يَظْلِمُونَ (9)﴾ [سورة الروم 30/ 9]
وليس من الضرورى أن يتم التدمير بمجرد ظهور الفساد واستشرائه .. فإن من سنن الله أن يمد للقوم الظالمين – مع ظلمهم – ويمكن لهم، ويفتح عليه م أبواب القوة في كل اتجاه .. ليزدادوا فسادا وانحرافا، ويزدادوا استحقاق للتدمير ..
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عليه مْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)﴾ [سورة الأنعام 6/ 44 - 45]
بينما من سنن الله مع المسلمين ألا يمكن لهم في الأرض إلا وهم مستقيمون على طريقة، فإذا انحرفوا زال عنهم التمكين حتى يعودا إلى ه.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [سورة النور 24/ 55]
ويقيم الناس في حياتهم علاقات سياسية واجتماعية واقتصادية ليس بعضها نابعا من بعض ولا بعضها تابعا لبعض .. إنما الأصح أن نقول إنها – كلها – أوجه متعددة " لموقف " معين، في اتجاهات مختلفة ولكنها مترابطة ..
فالموقف الواحد: على طريق الله أو على غير طريقه، يتجسم في كيان سياسى اجتماعى اقتصادى معين، وفكرى وروحى وخلقى وفنى كذلك ... أى في جميع الاتجاهات، وتكون كلها – في المعتاد – متناسقة بعضها مع بعض، إلا أن يكون هناك اختلاف في الشخصية – شخصية الجماعة – فيكون بعض نشاطها من منبع معين وبعضه من منبع خالف، كما هو حاضر " المسلمين " اليوم في كل الأرض،