ومصدرها كذلك الأخوة والتكافل في المجتمع المسلم الذي يجعل الناس شركاء في الخير لا يختص به فريق دون فريق ..
أما إذا اختار الناس طريق الشر. فأشركوا بالله في العبادة أو كفروا به جهرة ونبذوا عبادته وأعرضوا عن شريعته، فأول ما يقعون فيه هو عبودية بعضهم لبعض، وانقسام المجتمع إلى سادة وعبيد. سادة يملكون ويحكمون يشرعون، وعبيد ينفذون وه أذلاء مهينون.
ثم إن حياتهم تتسم بالاضطراب والقلق، وفقدان النظافة، والعبودية للشهوات.
الاضطراب ينشأ من الرؤية البشرية القاصرة، العاجزة عن الإحاطة، المحجوبة عن الغيب، التي تتصرف في كل لحكة بمقتضى تلك اللحظة، دون أن تدرك الآثار الكاملة التي تنشأ عن تصرفها حتى تقع تلك الآثار بالفعل في نفس الجيل أو في جيل لاحق، فيكتشف الناس الخلل الذي أصابهم، فيروحون يعالجونه بعلاج جديد يثير مشاكل جديدة!
والقلق ينشأ من الدخول في حومة الكدح – حومة الصراع – دون سند من قوة أعلى يطمئن الإنسان إلى نصرتها أو تعويضها له عما يفقده في أثناء الصراع ..
وفقدان النظافة ينشأ من عدم الالتزام بمنهج الله .. عدم الالتزام بالحلال والحرام، الذي ينتج عنه اندفاع الناس مع شهواتهم وعدم الارتفاع بها، فتهبط هي بهم إلى المستنقع المنتن الذي تعيش فيه كل الجاهليات .. وتلك هي العبودية للشهوات، التي لم تنج منها جاهلية من جاهليات التاريخ، حتى التي جنحت إلى الروحانية والرهبانية .. ففي الجاهلية الهندية الجانحة نحو الروحانية كانت ظاهرة " بغايا المعبد! " ظاهرة معروفة، وفي الرهبانية حدث ما أسلفنا ذكره من الموبقات!
أما التقدم المادى والعلمى فخط قائم بذاته خلال التاريخ البشرى غير متعلق بالهدى ولا بالضلال:
﴿كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (20)﴾ [سورة الإسراء 17/ 20]
منشئوه تلك الرغبة الفطرية التي أودعها الله قلب الإنسان، التي تدفعه إلى التعرف على خواص الماجة وخواص الكائنات الحية من حوله، ومحاولة استخدام هذه المعرفة في التحسين المستمر لأحواله المعيشية، وهي رغبة كما قلنا لا تتعلق بالهدى ولا بالضلال .. ومن ثم فجعلها هي المقياس لتقدم الإنسان يؤدى إلى نتائج باطلة.
فقد يحدث – كما حدث في وقت نشأة الأمة الإسلامية – أن يكون الحاملون للهدى الربانى، المتبعون لمنهج الله، متأخرى ن في مبدأ أمرهم من الناحية العلمية والتكنولوجية، قليلى الحظ من العمارة المادية للأرض، ويكونون مع ذلك في أعلى درجات الرفعة الإنسانية، كما كان جيل الصحابة رضوان الله عليه م، الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خير أمتى القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم " فلا يمنعهم هذا التأخر المؤقت في ميدان العلم النظرى والتطبيقى أن يكونوا أروع نماذج للبشرية في أوج ارتفاعها. ولكنهم – بحكم الانطلاقة الهائلة التي تحدثها النشأة الجديدة في كيانهم – لابد أن يتجهوا بعد فترة من الزمن إلى العمارة المادية وتظهر إنجازاتهم فيها كما حدث للمسلمين في العهد الأموى والعباسى.