تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتي يكون إنسانا بقدر ما يحرص على أدائها وإقامتها، ويفقد من إنسانيته بقدر ما ينفلت منها ويتهاون فيها.

وعليه ذا النحو تكون " إنسانيته " الإنسان، وتكون كذلك " كرامته، فالتكريم الربانى للإنسان لم يكن عبثا.

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ على كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)﴾ [سورة الإسراء 17/ 70]

إنما يشمل التكريم والتفضيل – فيما يشمل – هذا العنصر الأخلاقى الذي تقوم عليه حياة الإنسان، وتقوم به أعماله كذلك، لتفترق عن حياة الحيوان، وتفترق من باب أولى عن تصرفات المادة التي لا وعى لها ولا إرادة ولا إدراك، إنما تتصرف بالقهر الكامل المفروض عليه ا من إرادة الخالق، الذي أنشأها وأجرى أمورها على النحو الذي تجرى عليه، لا تملك فكاكا منه ولا تعديلا عليه. وشتان بين ذلك وبين الوضع الكريم الذي وضع الخالق فيه الإنسان، إذ أعطاه القدرة على التمييز والاختيار، وجعله مقابل ذلك مسئولا عن تصرفاته بمقتضى تلك " الأمانة " التي حملها، بينما أشفقت " المادة " من حملها:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ على السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ﴾ [سورة الأحزاب 33/ 72]

وتختلف أحوال البشر اختلافا جذريا بحسب الطريق الذي يختارونه لأنفسهم. ولا يقتصر الاختلاف على مصير الإنسان يوم القيامة إما إلى الجنية وإما إلى النار، بل يختلف الأمر في الحياة الدنيا كذلك.

أول اختلاف أنهم إذا اختاروا طريق الله، طريق الخير ن فعبدوا الله وحده بلا شريك، وساروا في حياتهم بمقتضى المنهج الربانى، فقد نجوا بادئ ذى بدء من عبودية بعضهم لبعض، وتحققت لهم العزة والكرامة والمساواة التي لا تتحقق أبدا إلا حين ينزع من البشر حق التشريع، ويصبحون كلهم عبيدا لله على قدم المساواة، خاضعين كلهم لشريعة الله .. ونجوا من الظلم الذي يسم الجاهليات جميعا حين يحكم البشر بشرائع من صنع أنفسهم، فإنه يحدث دائما في تلك الجاهليات أن طبقة معينة هي التي تحكم، وحين تحكم فإنها تدير الأمور بالطريقة التي تحقق مصالحها على حساب مصالح الأخرى.

ثم إن حياتهم تتسم بالنظافة والاستقرار والطمأنينة والبركة.

النظافة المستمدة من أخلاقيات لا إله إلا الله، من الالتزام بالحلال والحرام. من ضبط الدوافع لترتفع عن حيوانية الحسد إلى إنسانية الإنسان، الذي يمارس الحياة بجسمه وروحه في آن.

والاستقرار المستمد من تطبيق الشريعة الربانية الحكيمة المحكمة التي لا تخبط فيها ولا انحراف. وليس معنى الاستقرار الجمود عن الحركة، ولا معناه كذلك الخلو الكامل من المشكلات. إنما معناه استقرار الأسس التي تقوم عليه ا الحياة. أما الحياة ذاتها فلا تكف عن الحركة الفاعلة، ولا تخلو من أمور تجد في حياة الناس تحتاج إلى جهد يبذل لحل مشكلاتها وتقويمها بمقتضى منهج الله.

أما الكدح ذاته فهي من سمات الحياة الدنيا.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٥٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٥٥١